تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
الأنانية ، فيقال فلان أناني أي محب لنفسه مؤثر إياها على غيره ، وهذا أمر بدهي وطبيعي لأن حب النفس مرتبط بغريزة البقاء . أما التضحية فهي مخلوقة لتحقيق التوازن على جميع الأصعدة ، فعلى الصعيد الحيواني تسعى القطة الأم على قطيطاتها حتى إذا ظفرت بشيء عادت به إليها ، فأطعمتها بينما هي جائعة ، وتجود الظبية بنفسها دفاعا عن ولدها إذا ما تعرض للخطر ، فتجابه الذئاب حتى الموت لتمكن صغيرها من النجاة ، وتكشف الخطة عن القدرة الإلهية التي مكنت الصغار من البقاء على قيد الحياة ، وكفلتها أمهاتها اللواتي يقمن بالرعاية والحفظ والتغذية حتى يكبر الصغير ، ويصبح قادرا على العيش ، وعلى المستوى الإنساني جعل اللّه الناس فريقين فريقا ذا شح ، والشح غريزة كما قلنا ، وفريقا ذا مروءة يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة كما فعل أهل المدينة المنورة الفقراء لما جاءهم المهاجرون المسلمون من مكة ، ومن دون الفريقين جميعا لا تستمر الحياة ، وقد علمت الصوفية مدى تحقق المشيئة الإلهية بالأسماء الجميلة والخلال الحميدة حتى أنهم لم يفرقوا بين الإنسان الكريم واسم اللّه الكريم ، ولا يستنكف الصوفي عن سؤال الناس لعلمه بأنه إذا سأل الكريم شيئا فكأنما سأل اللّه ، قال الفضيل بن عياض من طلب الحمد من الناس بتركه الأخذ منهم فإنما يعبد نفسه وهواه ، وليس من اللّه في شيء . والعملية هي ما عبر عنها في الآية بخزائن الرحمة الإلهية ، وسميت هذه الرحمة رحمة ربي ، وللتسمية رقيقة ، ذلك أن الربوبية نفسها هي مجال الفعل والانفعال ، فليس الوجود العياني سوى مسرح نشاط الربوبية نفسها ، لذلك لما اشتكى رجل إلى صوفي فساد الناس في زمانه صاح الصوفي فيه ، مالك تدخل بين اللّه وعباده ؟ أتريد أن تبقى الربوبية معطلة ؟ والجواب يدل على أن أحداث الدهر هي من فعل اللّه ، ولهذا نهى صلّى اللّه عليه وسلّم عن سب الدهر ، وقال : ( إن اللّه هو الدهر ) .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 101 إلى 102 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً ( 101 ) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ( 102 ) [ الإسراء : 101 ، 102 ] الآيات التسع هن ما يمسكن الوجود العياني ، ولولا هن لكان هذا العالم هباء منثورا ، ونجد في سورة القارعة قوله سبحانه :
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ ( 4 ) وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ ( 5 ) ،
والإشارة إلى أن ثمة أسسا للوجود يقوم عليها ، ولو لاها لا يقوم ، ولهذا قالت الفلاسفة بالوجود الحقيقي أو الجوهر ، ويا لوجود الإضافي أو العرض ،