تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
واستمعوا الوحي ، وأملي عليهم ، ومنهم من قصهم اللّه علينا ومنهم من لم يقصص ، ولماذا نذكر الأنبياء فقط ولا نذكر العباقرة الأفذاذ الذي جاؤونا بكل عظيم فريد مظهرين قدرة الخلاق الذي خلقهم وأمدهم بقوى الخلق وطاقات العبقرية العجيبة ؟ قال فرويد : أمام ظاهرة الخلق الفني على التحليل النفسي وا أسفاه أن يلقي سلاحه . أي أن فرويد أقر واعترف بأن ظاهرة الخلق الفني لا يمكن أن تدرج في نطاق فلسفته النفسية التحليلية من قريب أو بعيد . فخلق الوجود هو المعجزة عامة وخلق الإنسان هو المعجزة بخاصة ومطالبة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإتيان المعجزة هو ضرب من الحمق بل هو ضرب من التعنت ، والنبي ما كان عاجزا عن الإتيان بمعجزة ، وله في هذا المجال شواهد ذكرها التاريخ . . . ولكن اللّه سبحانه أبى أن يبني الإسلام على قاعدة هي المعجزة ، ودعا إلى التفكير في معجزة الوجود نفسها ، وقال سبحانه :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا
[ آل عمران : 191 ] ، ونجد في المحاورة بين إبراهيم ونمرود أن إبراهيم عليه السّلام قال متحديا : فإن اللّه يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر . فإن لم يعكف الإنسان على نفسه وفي نفسه ، ويتأمل ما حوله من بديع الخلق ، وما لم يكتشف أن اللّه باطن كل حي بل باطن كل شيء فإنه لن يصل إلى اللّه ، ولن يعرف اللّه ، ولن يكون للمعجزة فيه من تأثير حتى وإن رآها بعينيه ، قال سبحانه :
وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ
( 7 ) [ الأنعام : 7 ] .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 95 ]

قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً ( 95 ) [ الإسراء : 95 ] في الآية لطيفة وهي كون العالم العياني مظهر أعيان اللّه ، وتذكر الآية بالأعيان المعقولات من الملائكة الذين لهم ظهور في البشر مشيرة إلى هذا بالقول ( لو كان ) في حين تبين الدراسات والتأملات الدينية والفلسفية أن المعقول يظهر في المنظور ، وأنه لا معقول بلا محسوس يظهر به ، فلا يوجد ملائكة إذن منفصلين عن البشر إذ الملائكة جند اللّه ، والجند الفعلة ، والفعلة الخواطر ، والخواطر الفعلة في الناس . . . فظاهرا هناك الناس وباطنا هناك الأعيان المعقولات ، وعليه فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم مظهر اسمه الظاهر ، واسمه العليم ، واسمه الحكيم ، إلى آخر الأسماء الصفاتية التي تسمى الحق بها ، فالمطالبة بالفصل بين النبي وحقيقته التي هي الروح مستحيلة ، لأن الروح الأمين ظهر بالنبي مثلما ظهر له في صورة دحية كما ورد في الحديث ، ولهذا كانت الصوفية علم التوحيد ، ولا توجد إلا بالتوحيد بين الظاهر والباطن ، وبين