تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 510

مساهمون:

ص٥١٠
فلقد ظل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حتى الأربعين من عمره يتجر بمال زوجه خديجة متنقلا بين الأمصار ، لا علم له يميزه عن الناس علما أنه كان على خلق عظيم ، وقد اشتهر بأمانته ، وقال له عمه أبو لهب : ما جربنا عليك كذبا . أما بعد النبوة فلقد حدث التحول العظيم ، واحتل النبي مكانته الكبيرة التي خلدته على مر القرون ، ولو شئنا أن نبيّن أبعاد فضل اللّه على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لما كفتنا المجلدات ، ولقد ألفت ألوف الكتب في شرح هذا الفضل العظيم ، ويكفي ضرب القرآن مثلا لفضل اللّه على نبيه حيث جعله اللسان الناطق بالقرآن ، ثم آتاه الصفات السبع الإلهية المسماة المثاني والفصاحة والبلاغة حتى احتلت أحاديث النبي الدرجة الثانية في الفصاحة والبلاغة بعد القرآن ، كما تعتبر هذه الأحاديث الأساس الثاني في الاستشهاد باللغة العربية الفصحى بعد القرآن أيضا . . . وكل هذا والنبي أميّ لا يقرأ ولا يكتب ، وكان كتاب الوحي يكتبون ما يقول .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 88 إلى 89 ]

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ( 88 ) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ( 89 ) [ الإسراء : 88 ، 89 ] القرآن من وحي الروح ، والروح هو الفاعل في الإنسان وهو وحده الفاعل ، وللروح الخلق والأمر ، ومن أسمائه الحي أي كل ما يتعلق بالحياة ، ويقول هيغل إن من نتاج الروح ما يوجد من فلسفة وفن وأدب وشعر ، فالروح هو الملهم لكل ما يدرج تحت أسمائه تعالى المصور والخلاق والبديع . والآية تتحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثل القرآن ، والحقيقة أن نتاج كل فن حقيقي أصيل يكون نسيج وحده لا يمكن تقليده أو الإتيان بمثله هو من عمل الروح ، ولهذا احتلت الأعمال الفنية الأصيلة مكانتها العظيمة عند الناس وخلدت على مر الزمان . وما يقوله الروح لا يقوله الإنسان . . . ذلك أن الإنسان من قوابل فعل الروح ، والقوابل درجات ، وما لم تجل النفس جليا ، كما يجلى السيف فإن قبول القابل لإلهام الروح يكون على درجات ، ومن القوابل الأمثل فالأمثل . والقرآن مثل أعلى في الفصاحة والبيان والتصوير البياني وفي تركيبه اللغوي . . . ذلك لأنه نزل على النبي الذي هو صورة الإنسان الكامل ، فالإلهام كان من مستوى وحي ، أي أن المرآة المتلقية كانت من الجلاء للاستقبال والتلقي في الغاية ، وسمى ابن عربي أعلى درجات هذا التلقي إملاء حيث يكون الروح الفاعل وحده بلا واسطة النفس فيملي كما يملي الأستاذ على التلميذ .