تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩

[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 83 إلى 84 ]

وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ( 83 ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً ( 84 ) [ الإسراء : 83 ، 84 ] الشاكلة العين ، والعين الصفة ، والإنسان يتكلم بعد سماع صوت صفته ، فهو واسطته ، ولقد وصفناه في كتابنا الإنسان الكبير : بأنه بوق ، فالعمل على الشاكلة السير على الصراط الذي هو قانون الوجود القديم لا سبيل إلى تبديله ، وفي هذا المعنى قال سبحانه :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : الآية 56 ] .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 85 ]

وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً ( 85 ) [ الإسراء : 85 ] ليس للإنسان من علم الروح إلا ما يعلمه الروح إياه ، فالمسألة أشبه بطالب وأستاذ ، فالطالب يرى أستاذه ، ويسمع ما يقول ويفهم عنه ، لكن أنى للطالب أن يفهم كل ما يعلمه الأستاذ ؟ فما نحن إلا مظاهر نستمع وحي الاسم الظاهر ، والظاهر هو الروح ، فلا سبيل للإحاطة بكنه علم الروح إلا بما يسمح هو بتعلمه ، واللّه سبحانه حد للإنسان ما يتعلمه ، وما حده وصفه بأنه قليل ، ولا سبيل إلى خرق السدود المضروبة دون غيب الروح ، لأننا نحن أدوات الروح نفسه فلا خروج لنا عليه ولا إحاطة لنا بجوهره ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا تفكروا في ذات اللّه ) ، والروح أمر من اللّه وهو حكمته وقدرته ، وقال القشيري مفسرا قوله تعالى :
يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
[ غافر : 15 ] ، هذه الروح هي روح الرسالة ، وروح النبوة ، وروح الولاية ، وروح المعرفة .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 86 ]

وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً ( 86 ) [ الإسراء : 86 ] حدث للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن تلبث الوحي ، أي تأخر عن النزول ، كما حدث له في قضية حديث الإفك المشهورة ثم جاءه ، والمهم القول إن مدد النبي هو من روحه ، أي من ذاته أو ذات ذاته ، فلا مدد غير هذا المدد ، ولا علم يستمد من غير هذه العين ، وإذا جفت العين فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم بشر مثل بقية البشر لا حول له ولا طول ولا علم أيضا ، فهذه الصلة أشبه بصلة المصباح بالتيار الكهربائي فلا ضوء من غير كهرباء ، والنبي من دون التأييد الإلهي لا يستطيع شيئا ، وهو نبي بالتأكيد .

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 87 ]

إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ( 87 ) [ الإسراء : 87 ] يذكر الحق نبيه بالرحمة التي خصه بها هو ومن معه من المؤمنين ، ويذكره بفضله عليه ،