تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 482

مساهمون:

ص٤٨٢
عينه ، فماذا وجد في عينه ؟ وجد آدم ، وقلنا آدم ممثل الجمعية الأسمائية ، وقلنا من معاني آدم الأدمة أي السمرة التي هي لون وسط بين البياض والسواء ، وقلنا آدم البرزخ بين عالمي الروح والمادة ، ولما كان آدم أبا البشر كان المعنى أن النبي علم أول ما علم مكانة الإنسان عند ربه ، وأنه خلقه ليكون جسرا بين عالمي الحس والروح ، فهذا مدخل إلى التعريف بالإنسان الذي خلقه اللّه ليتعرف إليه أولا ، ثم ليعرفه الإنسان بدوره ثانيا . ثم عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السماء الثانية حيث لقي عيسى ويحيى عليهما السّلام ، ويحيى ممثل اسمه تعالى الحي ، وعيسى المسيح الممسوح بالنور ، والمعنى أن آدم الذي هو جسر بين المعقول والمحسوس يستمد حياته من روح روحه وهو الحق تعالى ، وهذا ما أشار إليه اللقاء باسمي يحيى والمسيح ، والاستنتاج أن الروح هو الحياة ، وأن ما في عالم الظاهر قائم بهذه الحياة الفعالة المسماة في القرآن القيوم . ثم عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السماء الثالثة فلقي يوسف عليه السّلام ، ولقد أوتى يوسف شطر الحسن ، والإشارة إلى المعقولات الإلهية الجمالية التي تبدت في تلك الصورة الجامعة الجميلة ، فيوسف مقام فوق مقام آدم الذي هو جسر بين العقل والحس كما قلنا ، فإذا جاهد الإنسان مستثمرا إمكاناته بواسطة القوة الحيوية العيسوية النورانية وصل إلى التجريد الكلي الذي هو مجموعة الصور الإلهية كالخير والعدل والجمال والنور . ثم عرج بالنبي إلى السماء الرابعة فلقي إدريس عليه السّلام ، وقيل إن إدريس من أنبياء التوحيد الأولين ، والإشارة إلى أن الإنسان متى أتم مرحلة التجريد نقله اللّه بالنور الكشفي إلى مرحلة التوحيد حيث يذوب الظلام في النور ، وتصير الظلمة صنو النور وظلا له ، فمقام إدريس البوابة والمدخل إلى علوم التوحيد . ثم عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى السماء الخامسة فلقي هارون عليه السّلام ، وهارون أخو موسى ، وهو الذي قال فيه موسى : اشدد به أزري وجاء في قصة موسى أنه كان به علة في لسانه كالعي لا تمكنه من أن يكون فصيحا في كلامه ، في حين اتصف أخوه بهذه الصفة . . . والإشارة إلى أن الموحد متى بلغ مقام التوحيد احتاج إلى صفة زائدة عن قوته الفكرية ليعبر بها عما رآه في مكاشفاته ، وهذه الصفة هي ما سماها ابن عربي الإملاء ، والإملاء خطاب إلهي نفثي هو أعلى درجة من الإلهام والوحي ، وهو ما يسمى التكليم الذي خص اللّه به موسى عليه السّلام ، فلو أن الحق ما أمد الإنسان الكامل بصفة الفصاحة والبلاغة ، ولا جعله أفصح لسانا من الناس ، لما تمكن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من أن يجعل الرقاب له خاضعين لفصاحته ، قال الجاحظ في وصف فصاحة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : عاب النبي التشديق وجانب أصحاب التقعير ، واستعمل
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 482 | محمد غازي عرابي