تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
الروح هو في الوقت نفسه الحامل للعالم المادي باعتباره صاحب القوى التي تنتشر عند تحويل طاقة ساكنة كالكهرباء . فركوب البراق كان ضرورة للروح المحمدي ، لأنه من غير العالم المادي ما كان للروح أن يسير في الوقت نفسه ، وفي الحديث الشريف أن النبي لما وصل بيت المقدس صلى فيه ركعتين ، ثم خرج فجاءه جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن ، فاختار اللبن ، فقال جبريل : أصبت الفطرة . . . والمعنى أن الهدف من خلق العالم معرفة اللّه ، وإلا لما كان للّه حاجة في خلقه ، ولقد أوّل النبي اللبن الذي شربه في منام رآه بأنه العلم ، فالنبي عليه السّلام اختار العلم على المحبة التي يرمز إليها عادة بالخمر كما هو معروف في الصوفية ، والعلم فوق المحبة ، لأن المحبة تقتضي وجود عاشق ومعشوق ، أي أنا وهو ، إلى أن تفضي إلى الاصطلام بفناء العاشق في المعشوق ، كما قال الشبلي في قيس بن الملوّح : هذا مجنون بني عامر ، كان إذا سئل عن ليلى ، يقول أنا ليلى ، فكان يغيب بليلى عن ليلى ، حتى يبقى بمشهد ليلى ويغيبه عن كل معنى سوى ليلى ، ويشهد الأشياء كلها بليلى ، أما العلم فهو يشمل المحبة ، ثم ينطلق في طريق التوحيد الذاتي الذي أشار إليه الحلاج لما لقي إبراهيم الخواص الصوفي ذات يوم فسأله عن حاله ، فقال الخواص أسوح في البراري لأحقق مقام التوكل ، فقال الحلاج أفنيت عمرك في عمران باطنك ، فأين الفناء في التوحيد ؟ فالمحبة للباطن ، ولهذا عرفت النصرانية بأنها دين المحبة ، ولهذا قال المسيح عليه السّلام : أحبوا أعداءكم . . . ثم جاء النبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ليتم الهجرة إلى اللّه ، وقلنا إن هجرته للعلم ، وكنا قد تحدثنا سابقا عن الكشوف الثلاثة الموسوي والعيسوي والمحمدي ، وقلنا إن محمدا أتم هذه الكشوف بالكشف الذاتي المعبر عنه بشعار لا إله إلا اللّه ، فالإسلام دين العلم ، وتجد الإمام الغزالي في « الإحياء » قد أفرد فصولا مطولة للحديث عن العلم وقيمته ومكانته وعن مكانة العلماء . . . وإلى هذه الحقيقة جاء في الحديث القدسي ( كنت كنزا مخفيا فأردت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني ) ، ولهذا عتب الحلاج على الخواص لوقوفه عند مقام التوكل دون أن يتم هجرته إلى اللّه ليفنى فيه . وبعد فما رحلة العلم ؟ في الحديث أن جبريل عرج بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم أو معه إلى السماء الدنيا فوجد النبي فيها آدم عليه السّلام ، وجبريل هو الروح الأمين ، فهو روح محمد أو حقيقته المنفوخة من روح اللّه ، فالروح أول خلق اللّه ، ولما كان نور النبي أول خلق اللّه ، كان النبي جامعا بين الروح والتعين ، بين الباطن والظاهر ، بين العين والعيان ، فعروج النبي ذاتي ، أي من ظاهره إلى باطنه ، ومن عيانه إلى