تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
الثابت والأزلي ، وهو ما عبر عنه بالعربية التي تعد لغة عالمية تدخل في فلك الثابت والكلي ، فعطاءات القرآن تعالج الأصول قبل الفروع ، وترفع القواعد من بيت الإنسان من قبل أن تجعله يسكن هذا البيت ، فما يقوله الحق في القرآن لا يقبل المناقشة ، ولا يخضع لتبدل جذري لأن خالق الإنسان هو الذي يعلم الإنسان كيف يحيا ويتلاءم مع مشكلات الحياة ، وهذا أمر أكده الإمام متولي شعراوي رحمه اللّه في أحاديثه دائما حيث كان يقول : إن الإسلام دين الفطرة والحياة والفهم الواقعي لمتطلبات الإنسان واحتياجاته ، وعليه فلا يجب على المؤمن أن يخالف ما جاء به الدين من تعاليم ووصايا لأن اللّه أدرى بالإنسان منه ، وما يعرفه عنه لا يعرفه الإنسان عن نفسه ، فاللّه خالق والإنسان مخلوق ، وهو كلي والإنسان جزئي ، وهو كان ولم يزل إلها يعبد ، بينما الإنسان مخلوق ضعيف جاهل جاء إلى هذه الحياة ليتعلم ، فتعلم على أبويه ثم على معلميه ، ثم من مدرسة الحياة . . . وما تعلمه الإنسان اليوم لم يكن بالأمس يعلمه ، وما يعلمه غدا قد ينقض علمه الذي علمه اليوم ، وهذا حال الإنسان منذ كان ، في حين اللّه عليم علام حكيم يعلمنا ما لم نعلم ، ولقد علمنا مذ كنا جاهلين .

[ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 104 إلى 105 ]

إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 104 ) إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 ) [ النحل : 104 ، 105 ] في الآيتين لفتة جميلة إلى صلة تعينات الأسماء بمن له الأسماء ، فبحكم وجود حجب الأسماء تبقي أسماء البلاء أصحابها في الظلام ، فكيف يؤمن بوجود اللّه من لم يؤمن بأن ما نزل على النبي هو وحي من عند اللّه ؟ وكيف يؤمن بأن النبي نبي أصلا لا عبقري من العباقرة ؟ فالنتيجة طبيعية بحكم التفريق المسبق بين أسماء الآلاء وأسماء البلاء .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 106 ]

مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 106 ) [ النحل : 106 ] انشراح الصدر بالكفر نتيجة للتوافق بين الصفة والموصوف ، ومن هذا المنظور قال ابن عربي : إن عذاب أهل النار عذوبة ، وقال : سمي عذابا لأنه يعذب في حال ما عند قوم لمزاج يطلبه . فالتناقض الموجود في القلب هو من طبيعة المؤمنين ، وقد يكون للمنافقين نصيب من هذا التناقض كأن يكون بعضهم مذبذبين بين الإيمان والكفر وهؤلاء قال سبحانه فيهم في موضع آخر :
وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ
[ الأحزاب : 24 ] ، فمن كان ذا طبيعة تناقضية ، وعانى من انشطار ذاته ، وعاش بين النار والنور فهو من أصحاب اليمين ومصيره إلى الجنة لأنه