تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
ولولا الكد والتعب ما ذاق المتعب طعم الراحة ولا تفيأ ظلالها ، ولولا السعي إلى طلب العلا ، والعلا مطلب صعب ، ما وجد من نشد العلا الفرح والسعادة لدى تحقيقها ، فالشيء بنقيضه يوجد ولو لاه ما وجد ، ولهذا قال الإمام الغزالي : لولا خلق البهائم ما عرف شرف الإنس ، ولولا شح الأنفس ما خلد التاريخ كرم حاتم طيء ، فاللّه أضل وهدى ليدير عجلة الحياة ، ويفجر ينابيع الوجود .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 96 ]

ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 96 ) [ النحل : 96 ] نفاد ما لدى الإنسان حقيقة سببها أن ما لديه محدود لأنه داخل في نطاق الكم ، وما يدخل في نطاق الكم ينفد ما لم يجدد ، أما اللّه سبحانه فهو خارج الكم وخارج الكيف ، والكم والكيف من خلقه . . . ولهذا قلنا : إن صفاته مشعة عنه وصادرة مع أنها ليست هو لأنه سبحانه غني حتى عن صفاته وهذا ما أكده أفلوطين ، فلئن وجدت حقيقة في هذا العالم ، أي حقيقة ، فلقد وجدت باللّه ، ولولا اللّه ما وجدت ، ولولا اللّه ما كان للعدل أن يكون عدلا ، ولا كان له مدلوله المعروف ، ولربما كان الظلم الشعار السائد والمسلم به والمعترف به كما يقال مثلا شريعة الغاب ، والحق للأقوى ، وما فاز باللذة إلا الجسور ، والكذب ملح الرجال ، فكل البدهيات المقبولة والمسلم بها على أنها بدهيات هي للّه ، ولو لاه سبحانه لتبدلت القيم الخالدة ، ولما كانت خالدة ، ولطغى الظلم والشر والقسوة ، ولرفعت هذه الشعارات فصارت بدورها بدهيات ، علما أننا نلاحظ أن شعارات الحق والعدل والخير والجمال كانت وما زالت هي المقبولة ، يرفعها وينادي بها ويستغلها الظالمون والكفار والمنافقون .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 97 ]

مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 97 ) [ النحل : 97 ] جنس الجزاء من جنس العمل ، ويكفي أن يشرع الإنسان في فعل الخير حتى يبدأ في جني قطافه ، وهو شرح الصدر وسرور لا يوصف بالكلمات ، وهذه الحال هي ما أشار إليها سبحانه قائلا :
فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ،
وعلى العكس فإن فعل الشر يورث ضيقا في الصدر وقبضا ، وهذا حال يعيشه المنافقون والظالمون .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 98 ]

فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ( 98 ) [ النحل : 98 ] الشيطنة هنا خواطر السوء والوسوسة ، وفعلها عند قراءة القرآن لفت الانتباه عما جاء في القرآن ، والملاحظ أن هذا الخاطر ينشط خلال ما يكون المصلي في صلاته أو في دعائه أو