تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 474

مساهمون:

ص٤٧٤
بالضرورة ، وهو يجاهد نفسه الحيوانية أولا ، ويجاهد العالم ثانيا لأن في العالم تعينات الأسماء المزدوجة والمتقابلة . والفتنة هبوط الاسم العليم نفسه من لدن الحضرة العلمية ، فمثله كمثل فرخ في عشه دفعته أمه دفعا ليتعلم الطيران ، فلو لا الشر ما كان الجهاد ، ولولا الجهاد ما كان العلم ، ولولا العلم ما استوى الاسم العليم على عرش العلم ، فالهبوط والعروج دورة علمية لكي يعرف الإنسان ربه ، ويعبده من ثم حق عبادته ، ويفهم معنى لا إله إلا اللّه .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 111 ]

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 111 ) [ النحل : 111 ] في قوله سبحانه :
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
رقيقة ، ذلك لأن النفس نفسان حزئية وكلية ترابية وروحية . . . وتقع المجادلة حين تجادل النفس الروحية عن النفس الترابية قائلة : إنها ما فعلت إلا ما ألهمته من فجور وتقوى ، وعن ابن عباس : ألهم المؤمن التقي تقواه ، وألهم الفاجر فجوره ، ثم تلا قوله تعالى :
وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
( 8 ) [ الشمس : 7 ، 8 ] ، فالفجور والتقوى من التضاد ، والتضاد للتعليم ، والنتيجة شمول الرحمة ، وهو أمر أشارت إليه الآية السابقة قائلة :
إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
. وقوله :
وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ
يعني عودة الفرع إلى الأصل فلا نزاع هناك ، فإن كانت النفس ميسرة لليسرى فاليسر طريقها ، وإن كانت ميسرة للعسرى فالعسر طريقها ولا نزاع والمنازعة وقعت للتفريق بين طبيعة الأسماء نفسها لتمييز المعدن الثمين وإخراجه وفرزه عن المعادن الرخصية ، والعملية كما أسلفنا القول يقتضيها العلم والتعليم .

[ سورة النحل ( 16 ) : آية 112 ]

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 112 ) [ النحل : 112 ] القرية كما أسلفنا البدن ، وهي هنا بخاصة مركز البدن ، وجوهره أي الفكر ، والرزق ما يحصله الفكر عن طريق الحواس من انطباعات حسية تنتهي إلى التجريد العقلي ، فلما أتم الفكر هذه الدورة التعليمة أنكر مصادر المعقولات أو الأفكار القبلية ، وقال : إن ما حصله هو من عمله وحده وبجهده ولا وجود لمعقولات خارج الفكر وسابقة على الفكر ، وليس ثم إلا محسوسات وإنسان يواجه هذه المحسوسات ويفكر ، فما بقي إلا الطبيعة والإنسان ، وهذا هو الكفر لأن الكفر ستر .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 474 | محمد غازي عرابي