تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
التبشير بالحق نتيجة جمع الخواطر في خاطر جامع ، ففي هذا نجاة للقلب من شرك الأنا وجحيم التناقضات ، وقوله :
إِلَّا امْرَأَتَهُ
يعني النفس الأمارة التي لا تكف عن الوسوسة ، ولكن القلب الذي كشف سر التناقض وسببه يسلم من هذا الأذى كما سلم عليه السّلام القائل : ( إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه سبعين مرة كل يوم ) .

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 65 ]

فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ( 65 ) [ الحجر : 65 ] الأهل الحواس الظاهرة والباطنة ، والسير في الليل السير على درب المجاهدات والمخالفات حتى يأتي اللّه أمرا كان مقضيا ، وقوله :
وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ ،
يعني أن على السالك ألا يتردد أو ينكص على عقبيه بعد أن أذن اللّه له في دخول خلوة الغار ، وأجرى عليه المقدور ، إذ أن هذه سنة اللّه في الأنبياء والأولياء .

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 66 ]

وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ ( 66 ) [ الحجر : 66 ] قطع الدابر بث الفوضى في قوى الجسم ومنها الفكر ، وقد شدد الإمام الغزالي في الإحياء على ما للصوم والصلاة وقيام الليل من دور في جلو مرآة القلب حتى أنه قال في الصيام عن الطعام : اسمع مني واكتف بالبلغة . ولقد اكتشف الطب الحديث تأثير الصوم في الجسم ، حتى أن الأطباء اعتمدوا الصوم عن الطعام لا من الفجر وحتى غياب الشمس فقط بل أربعين يوما يكتفي الصائم فيها بالماء المحلى بالعسل ، فإذا هو الضرب من الصوم الذي عرفته الصوفية منذ قرون وطبقوه يأتي بالمعجزات ، فنشاط الإنسان يزداد ، ويقضي الصوم على كل مرض يكون في الجسم ، ويحس الإنسان كأنه ولد من جديد ، وتقل ساعات النوم ، ويصير التفكير أصفى والقلب أرقى .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 67 إلى 72 ]

وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ ( 67 ) قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ ( 69 ) قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ ( 70 ) قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ( 71 ) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 72 ) [ الحجر : 67 ، 72 ] أهل المدينة الأفكار التي تغزو الدماغ والتي تنظر إلى ما يقع في القلب وتسأل وتنتظر ، وقوله :
هؤُلاءِ بَناتِي ،
يعني بنات الأفكار نفسها كما يقال في اللغة ، والمقصود الصور من النساء والرجال كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن في الجنة سوقا ما فيه بيع ولا شراء إلا الصور من الرجال والنساء ، فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيه ) ، فليس من مدخل إلى الجنة العلم إلا عبر سوق الصور ، ولعظم شأن هذا السوق خلق اللّه عالم العيان فجعل من صور المعقولات صورا
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 436 | محمد غازي عرابي