تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 19 ]

وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ ( 19 ) [ الحجر : 19 ] الموزون المحسوب حسابه في ميزان التوازن البيئي الوجودي ، فلو أن الإنسان فعل ما يحلو له لأخل بتوازن الوجود وهذا معنى قوله سبحانه في موضع آخر :
لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ
[ المؤمنون : 91 ] ، فما من لعب بالميزان ، وما من يد تزن به إلا اليد النورانية القاهرة .

[ سورة الحجر ( 15 ) : الآيات 20 إلى 22 ]

وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ ( 20 ) وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ ( 21 ) وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ ( 22 ) [ الحجر : 20 ، 22 ] الرزاق هو اللّه ، والرزق المدد القيومي للحياة بجميع أشكالها ، والوجود كله رزق ، رزق ظاهري كما يرى في الحياة العيانية ، ومثل هذا دورة الرزق المائي حيث أمد اللّه الأرض بسماء المحيطات ، ثم جعل هذه سحابا ، فساقه بالرياح إلى البر ، فأنزله مطرا سقى الأرض فأحياها . . . وهناك الرزق الباطني إذ جعل اللّه للحيوان مثلا غريزة يهتدي بها ويتغذى ويتناسل ، كما جعل لكل حيوان رزقه ، كأن تكون الحيوانات الأليفة رزق الحيوانات المفترسة ، وأن يكون النبات رزق الحيوانات المفترسة والأليفة ضرورة لتحقيق التوازن الطبيعي . وهناك الرزق الروحي حيث ميز الإنسان عن بقية المخلوقات بالفكر ، فجعل اللّه الذات الناطقة ، وهي لطيفة إلهية لها على الوجود الخارجي إطلالة من الحواس ، ولها على العالم الروحاني إطلالة من الحس والوجدان ، ثم جعل لكل مخلوق رزقه من هذا العالم ، فرفع هذا وأخفض ذاك ، وأعز هذا ، وأذل ذاك ، وهدى هذا وأضل ذاك ، وفعله كله موزون محكم غايته إعمار الحياة وتعرفه سبحانه إلى خلقه .

[ سورة الحجر ( 15 ) : آية 23 ]

وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوارِثُونَ ( 23 ) [ الحجر : 23 ] الإحياء نفخ الروح في الجماد ، فإذا هو حي ، ولقد ثبت علميا أن الجنين لا يكون حيا ، بل هو علقة فمضغة لا غير ، ثم تدب فيه الحياة حين بلوغه أشهرا من العمر ، فمن غير مدد الاسم الحي فليس للحي أن يحيا ، فالحياة سر اسمه الحي ، وهذا الاسم بحد ذاته إعجاز ضربه اللّه مثلا بقوله في موضع آخر :
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[ البقرة : 26 ] ، فعلى الرغم من كل ما بلغه العلم من تقدم فهو عاجز عن خلق بعوضة . والإماتة استرداد الروح من الهيكل فإذا هو ميت ، ولقد حاولت العلماء أن يضعوا أيديهم على سر الحياة فعجزوا ووقفوا أمام هذا السر حيارى خانعين ، فاللّه هو الذي يحيي ويميت .