تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 401

مساهمون:

ص٤٠١
الروح الموحي نفسه ، وما دام هذا الروح فاعلا ، وما دام فاعلا عن علم قديم أزلي فالنتيجة أنه لا جديد تحت الشمس ، والقصد فتق أسماء معقولات كانت مرتقة . فالفهم المستخرج من القصص القرآني ذو علاقة بحياة الإنسان نفسها ، وما لم ير الإنسان نفسه في هذه القصص ، وما لم يعش بدوره ما عاشه أبطال هذه القصص فإنه يكون أمام أمرين ، فإما أن يكون فهمه قاصرا ومقصورا على أن ما قرأه عن أن عيسى خلق من غير أب ، وتكلم وهو في المهد صبيا ، وشفى الأكمه وأحيا الموتى ، وأن موسى وضعته أمه في التابوت ، ثم قذفته في اليم ، فالتقطه قوم فرعون ، فرباه فرعون إلى آخر القصة ، فتكون القصص أحداثا تاريخية جرت وانتهت ولم تعد ذات أثر في حياة الإنسان المعاصر . وإما أن تكون القصص القرآنية نفسها هي القاصرة وهي لا تعني شيئا سوى قص القصص التاريخية دون أن تتضمن معنى لقارئها ليفهم عنها ويعتبر . . والقصص القرآني من هذين الأمرين براء . فالقرآن خالد ، وخلوده مستمد من استمرار تأثيره في القارئ ، وهذا التأثير المستمر والمتجدد نابع من كونه مرتبطا بحياة الإنسان أنى كان ، وإنه إن قص قصص إبراهيم وموسى ويوسف وعيسى فإنما قصده أن ينبه الإنسان على أنه ابن آدم ومن نسل آدم وأن ما حدث لآدم ينسحب على بنيه ، وأنه إن كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم ، وإن عرج النبي في السماوات حتى بلغ سدرة المنتهى حيث جنة المأوى ، فإن في وسع الوارث أن يعيش هذه القصص وأحداثها باعتباره إنسانا ذا قلب استودعه اللّه علمه وإرادته وقدرته وسمعه وبصره وقبل هذا كله حياته . فالإنسان خالد وقلنا إن خلوده يعني تجدد الفعل القديم المتعلق بفلق المعقولات ، ولهذا فإن ما عاشه النبي ينسحب على إخوانه من بعده . فرحلة المعراج التي عاشها النبي عليه السّلام عاشها الورثة من بعده قال ابن عربي : لما وصلت إلى هذا المنزل في وقت معراجي الذي عرج بي ليريني من آياته سبحانه ما شاء ومعي الملك قرعت بابه . وذكر عبد الكريم الجيلي في كتابه « الإنسان الكامل » أنه قد عرج به إلى السماء أيضا ورأى ما رأى النبي فاللّه ما ضرب الإمثال بالقصص القرآني إلا ليحفز الناس على أن يلحقوا بركب الأنبياء والسادة الأكابر ، وهذا هو معنى قوله تعالى إن تحت الجدار الذي أقامه العبد الصالح كنزا مرصودا بانتظار من يستخرجه . فشمر عن ساعد الجد يا إنسان ، وابحث عن كنزك المفقود فإنه تحت جدار هيكلك ، والسعيد هو من قدر له أن يكون من الصالحين من أصحاب الكنز الثمين ، والذي تمكن أن يخرج من البئر التي ألقي فيها يوسف ، ومن السجن الذي دخله ليصبح من ثم عزيزا مثل يوسف عليما حكيما يأخذ عن الحق بلا واسطة ويعلم تأويل الأحاديث ويدرج في الخالدين .