تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ظهر الإنسان الإلهي المخلوق على صورة الرحمن ، والذي هو ظهور اللّه ، ولهذا جاء في الحديث القدسي : ( لولاك لولاك ما خلقت الأفلاك ) . فليس في الوجود من حي سوى الحي بذاته وآدم العلم المصطفى أزلا لاحتلال هذه المرتبة القدسية العلوية الإلهية .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 105 ]

وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ ( 105 ) [ يوسف : 105 ] ما من آية إلهية في الوجود أعظم من آية الفكر ، ولهذا ألحت الأنبياء والصوفية على ضرورة معرفة الإنسان نفسه . فالنفس ، وهي الصورة الإلهية هي المحل الذي يمارس الحق فيه حواره الذاتي الأسمائي ، ولهذا نبه سبحانه على عظمة وقيمة قلب ابن آدم قائلا في الحديث القدسي : ( ما وسعتني السماوات والأرض ولا الجبال ووسعني قلب عبدي المؤمن اللين ) . وفي الحديث : ( قلب المؤمن من عرش اللّه ) .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 106 ]

وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ( 106 ) [ يوسف : 106 ] المعنى أن الكثرة تمارس الحوار الذاتي مع جهل سره الدفين . ولو علم الإنسان سر حواره هذا لعلم أين اللّه القائل في موضع آخر :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : الآية 21 ] . ولهذا جاء في الآية أن معظم المؤمنين لا يؤمنون إلا وهم مشركون ، أي يشركون أنيتهم وفكرهم في الوجود الذاتي الإلهي وينسون أين اللّه وكيف اتخذ قلب الإنسان إلهاما ونجوى .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 107 ]

أَ فَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 107 ) [ يوسف : 107 ] الساعة وعذاب اللّه إشارة إلى الكشف الذي يؤدي إليه الذوق العرفاني فإذا عالم الإنسان خراب يباب كسراب يحسبه الإنسان ماء ، فإذا جاءه لم يجده شيئا ، فليس في هذا الوجود الظاهر إلا اسم اللّه الظاهر ، وأما الظاهرون فمصطلمون .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 108 ]

قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللَّهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 108 ) [ يوسف : 108 ] البصيرة النور المجعول في القلب حيث لا يكون القلب سوى مستقر ومستودع لهذا النور . وما الحج وطقوسه وشعائره ، والطواف حول الكعبة ، والكعبة ذاتها ، والحجر الذي فيها ، ومقام إبراهيم عليه السّلام الذي يجاورها ، وجبل عرفات ، ما هذا كله إلا إشارات إلى الحقيقة التي دعا إليها الأنبياء والعارفون الذين تفتحت بصائرهم ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إذا أراد اللّه بعبد خيرا فتح اللّه قفل قلبه ) .