تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 109 ]

وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 109 ) [ يوسف : 109 ] ثمة لطيفة في قوله :
إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى
فكأنه يقول إن الكثرة ما هم إلا أهل القرى ، أي عامرو مدينة الجسم الكلي ، فهم بمثابة الظهور لا غير ، ولهذا وصفتهم الصوفية بأنهم أشباح وهياكل لا غير ، أما الرجال فهم رجال اللّه ، وللّه رجال ، فالرجل هنا هو الرجل حقا كما قال نابليون لما رأى الشاعر الألماني غوته فقال : هذا هو الرجل فالرجل بمعنى الرجولة الحقة كالفتوة المشهورة في مصطلحات الصوفية . فالرجل إذن من عرف ربه ، والرجل من هذا المنظور من يوحى إليه ، فإن لم يوح إليه فهو ليس برجل ، وهو من ثم من أهل القرى والهياكل والأشباح .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 110 ]

حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ( 110 ) [ يوسف : 110 ] النجاة مثل نجاة نوح حين صنع الفلك وركبه ، فنجا من طوفان الهيولى والمعنى أنه ما دام الإنسان سجين أناه مستمعا صوت فكره المرتبط بالدماغ فمآله مآل الدماغ نفسه ، ولهذا قال عليه السّلام : ( كلكم من آدم وآدم من تراب ) . فالمطلوب أن يركب الإنسان سفينة اللّه التي بسم اللّه مجراها ومرساها . فمن لم ينج من العالم الحسي ويدرك من هو وما جوهره ، ومن لم يلتحق بربه ليتحد بالأنا الكلية الخالصة من أدران عالم الحس والعناصر ، ومن لم يذب في بحر الألوهية الأكبر فهو هالك فان لا محالة .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 111 ]

لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 111 ) [ يوسف : 111 ] العبرة من القصص الواردة في القرآن استنباط معناها الباطن . قال الشبلي في قوله تعالى :
لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ
( 7 ) و
لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ
: اشتغل العام بذكر القصص ، واشتغل الخاص بالاعتبار من القصص . فهذا الاعتبار هو الفهم الذي آتاه اللّه أهل البيت ففهموا باطن القرآن . فالقصص الواردة ما هي حديث يفترى أولا ، ورغم أنها قصص واقعية معاشة إلا أن لها صفة الاعتبار بما تضمنت من أمثال وآيات وعبر . وفي ميدان الأدب يكون الأديب كبيرا وعظيما ، ويكون أدبه خالدا إذا كان ما يكتبه يتصف بالموضوعية والشمول والأبدية ، وللحديث صلة بكون ما يكتبه ذو البصيرة المفتحة مستمدا من