تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 198 ]

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ( 198 ) [ البقرة : 198 ] الإفاضة من عرفات حصول المعرفة وهي الكشف العرفاني ، وفيه يشهد الحاج شهودا ذاتيا عيانيا أن لا إله إلا اللّه ، والمشعر الحرام جبل آخر يلي عرفات ، وذكر اللّه هناك ذو دلالة ، فالجبل جبلان ذاتي وموضوعي ، فإذا كنت على جبل الذات فأنت هو ظهورا ، وإذا كنت على جبل الموضوع فأنت الظهور نفسه ، فأنت بين الجبلين والتحقق بهذا المقام هو الهدى بعد الضلال . .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 199 ]

ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 199 ) [ البقرة : 199 ] الإفاضة العودة إلى الناس بعد إتمام الكشف ، وقد صار المكاشف الموحد العارف المحقق الفرد المفرد .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 200 ]

فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ( 200 ) [ البقرة : 200 ] ذكر اللّه كذكر الآباء هو ذكر الأصل عند النظر إلى الفرع ، فالأب سبب إيجاد فهو وسيلة ، والأبوان ما يحكمان القلب من أسماء ، إذ لولا هما لخرج القلب عن فلكه ، والقلب ولد الأبوين ، وهو ما يدعى الطبع أو الميل أو طبيعة الاستعداد ، والمكاشف يعلم علم اليقين أن ذكر اللّه عند ذكر الميل ضروري ، لأن اللّه من وراء القصد ، وهو القصد .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 201 ]

وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ ( 201 ) [ البقرة : 201 ] إتيان النعمة الدنيوية الاكتفاء بالتحصيل العلمي الحسي ، وفيه خسران مبين ، لأن الدنيا غير مؤهلة لتحقيق الكشف العلمي الكامل ، وأفقه يتجاوز الحس إلى الروح . . . حتى في حال الوصول إلى المعقولات بفعل التجريد الفكري فإن طبيعة الفكر التجريدي نفسه غير مؤهلة لكشف الحقيقة كاملة . وإتيان النعمة الأخروية الوصول إلى المعقولات ذاتها ، وهي أيضا غير كافية ما لم ينتظم في خيط التوحيد حب المعقولات ذاتها ، فيتشكل العقد الفريد ، وفيه تكون المعقولات في الواحد وبالواحد لا بذاتها ولا لذاتها .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 39 | محمد غازي عرابي