تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
الإشارة إلى الحسن الذي تحلى به القلب بعد وصوله إلى عين اليقين ، أي عين الحياة ، وصار مجلى الأسماء الحسنى جميعا . ولهذا جاء في الآية أن يوسف القلب برز لهذه الأسماء الحسنى بعد أن صار مجلى لها ، وصارت له مرآة ، فانعكست الآية . فبعد أن كانت تزينه صار هو لها زينة ، وهذه الزينة من الصور الجامعة لأسماء الجمال هي التي أدهشت الأسماء الممثلة في التعينات ، لأن للاسم حظه عادة من الحسن ، وهو جزء من هذا الحسن . أما يوسف فباحتوائه الأسماء جميعا فقد ظهر فيه الحسن كله ، ولهذا قيل إنه أوتي شطر الحسن ، أي شطر أسماء الجمال جميعا . وبلوغ هذا المقام يرفع القلب إلى سماء ملائكة المعقولات ، ولهذا قالت النسوة :
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
.

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 32 ]

قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) [ يوسف : 32 ] دوام إلحاح النفس على القلب ، وهنا لطيفة تذكر بقوله عليه السّلام : ( لكل إنسان قرينه من الجن ، قالوا : حتى أنت يا رسول اللّه ؟ قال : حتى أنا ، إلا أن اللّه أعانني عليه فأسلم ) . واختلفوا في قوله فأسلم هل في ضم الميم ، أي أن النبي سلم من أذى القرين ، أم في فتح الميم ، أي أن القرين هو الذي أسلم . والقصة اليوسفية تشير إلى أن يوسف هو الذي سلم من قرينه أي من نفسه ، لا أن نفسه أسلمت . . إذ أن النفس تظل تلح بخواطرها على القلب ، إلا أن القلب الذي بلغ مقام اليقين يصبح في أمان من النفس وخواطرها ، إذ أن كلمات اللّه لا تبديل لها ، فخاطر السوء يظل كما خلق أمارا بالسوء إلا أن معرفة الموحد للسر القلبي بكشف التضاد يحفظه من هذا الأذى .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 33 إلى 34 ]

قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 ) [ يوسف : 33 ، 34 ] تشير الآية إلى أن القلب من غير مدد نور الهداية والعصمة ضعيف أمام النفس لا طاقة له على مواجهتها ورد خواطرها ، وللأمر لطيفة ، إذ لما كان للقلب بابان ، باب إلى العالم الخارجي ومفتاحه النفس ، وباب إلى العالم الداخلي ومفتاحه الروح ، فإن حال القلب يظل رهنا بوضع هذين البابين فمن لم يشرح اللّه صدره للإسلام لا يسلم ، ومن لم يجعل اللّه له نورا فلا هادي له ، فاللّه هو الهادي والمنقذ ، وإلا فالقلب هالك لا محالة وواقع في قبضة الاسم المضل .