تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
الروح الذي يحفظ وليه في العالم السفلي . وامرأة العزيز هي النفس الحيوانية ، فرع النفس الكلية ، وباعثة الحركة في العالم المادي والإمكانات والقوى والنشاطات . . وتتميز هذه النفس بأنها أمارة لها جولة مع الروح الصغير الذي ألفته عندها وهو القلب في تقلبه ، فللنفس على القلب سلطان وهيمنة وهو في إبان تفتحه وفتق قوى عقله الهيولاني . . . أي أن النفس هي بمثابة مهد القلب ، والدابة التي تحمله ، ولهذا قال لها زوجها الروح الكبير :
أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً
. وقوله سبحانه :
وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
يعني ما كنا ذكرناه سابقا عن ضرورة هبوط ابن آدم من عالم المعقولات إلى أرض البدن لتبدأ عملية التعليم ذاتها . وذكرنا المراحل التي يمر بها هذا التعلم كما قالت الفلاسفة كالفارابي من تفتح العقل بالقوة إلى أن يصير عقلا بالفعل ، ثم ينتقل إلى مرتبة العقل المستفاد بعد أن يستفيد علما من العقل الفعال الذي هو الروح الكبير المعلم . فلا بد لابن آدم من أب هو الروح ، وأم هي النفس ، لكي يتم تعليمه ، ففي مرحلة الطفولة يستقبل القلب انطباعات المحسوسات من العالم الخارجي ، وفي مرحلة الشباب والرجولة يبدأ تجريد المحسوسات ، وفي مرحلة بلوغ الأشد أي قرب بلوغ الأربعين يبدأ التعليم الذاتي العرفاني حيث يستوي آدم على عرش العلم بأن يصير عالما بتأويل الأحاديث . . ثم تأتي المرحلة الأخيرة وفيها يصير العقل المستفاد عقلا قدسيا حيث تقابل الذات الجزئية الذات الكلية ، ويذوب الروح الصغير في الروح الكبير ، ويصبح القلب مرآة الروح ، وتفنى الأنا ، وتبقى الأنا الخالصة غير المتعينة ، فإذا عقل الإنسان عقل إلهي ملهم محدّث مسدد ، يعلم الناس حقائق التوحيد ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون .

[ سورة يوسف ( 12 ) : آية 23 ]

وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) [ يوسف : 23 ] قلنا : إن للنفس الحيوانية شعبين هما الشهوة والغضب وقلنا إن لها دورا في القلب لتحريكه . وثمة لطيفة في قوله سبحانه :
الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها
إذ أن العالم كله بمثابة بيت النفس الحيوانية الحية ، والقلب الإنساني وديعة في هذا البيت أو ضيف بعد هبوطه من عالم الروح . وقوله :
وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ
يعني سد جميع المسالك العلمية ما عدا المنافذ على العالم الخارجي ، وهذه المنافذ الحواس الظاهرة ، وعدت مثل الأبواب . . . فعند ما يصير القلب في قبضة النفس فلا بد له من التعلم على يديها سواء تم التعليم عن طريق الخير أو عن طريق الشر ، إذ كلاهما سبيل إلى التعليم كما أوضحنا .