تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
أما الفتى الآخر وهو الذي يمثل الفكر فلقد كان تعبير يوسف لمنامه أنه سيصلب ، والمعنى أن الفكر الذي هو إشعاع الأنا الجزئية سيموت ، والموت يكون معنويا ، أي يرى الفكر نفسه بنور الكشف أنه شعاع من العقل الفعال ، وأن الأنا الجزئية فرع الأنا الجامعة وأداة استقبال لها ، فيذوب الظل في الشمس ، ولا يبقى إلا الروح الجامع للأرواح ، ورمز إلى هذا الروح بالطير التي تأكل من رأس الفتى ، أي تأكل فكره الذي هو رأسه ، أي يكشف الروح للفكر أنه أصله وأسّه وإشعاعه ومصدر قواه ، وأن الفكر ليس إلا مرآة وبوقا ومعبرا ومحلا ووسيلة كما سبق أن قلنا . والحوار كما يتبين بين يوسف وصاحبيه هو حوار ذاتي إذن ، فليس في الخلوة إلا يوسف وحده ، والفتيان قواه ، والإنسان كله مجموعة قوى سمتها الفلاسفة اليونانيون عقولا ، وجعلوها عقول أفلاك ، وعاد ابن عربي فجمع فأنشد قائلا :
وتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر
فليس في الوجود إلا اللّه والإنسان الكامل الذي مثله يوسف لما رقى إلى مقامه الذي خص به أزلا .

[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 43 إلى 49 ]

وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ( 43 ) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ( 44 ) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ( 45 ) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ( 46 ) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ ( 47 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ ( 48 ) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ ( 49 ) [ يوسف : 43 ، 49 ] الملك الروح الفاعل نفسه ، فهو العقل والعاقل والمعقول ، والثلاثة فيه بحكم الطي وبانتظار الفتق . وسؤاله عن الرؤيا سؤال الكلي للأجزاء علما أن علمه محيط ، وتقول الفلاسفة إن هذا هو علم الكليات ، وفرقوا بين العلم والمعلومات ، فقالوا : إن الأول ثابت أزلي محيط ومهيأ مسبقا لاحتواء علوم الجزئيات ، ولهذا دعي الحضرة العلمية الجامعة والوجود العلمي ، أما المعلومات فهي متغيرة تابعة لتطور الزمان والمكان ، ولهذا فإن الحق يلاحق هذه المعلومات في تغيرها وتطورها ليرى ما صار إليه أمرها . هكذا قال السهروردي الذي أضاف قائلا : ولا يتطلب تغير المعلومات تغيرا في الذات الإلهية .