تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
والبقرات السبع السمان أجزاء أو قوى النفس الكلية وهي العقل ، الفكر ، الخيال ، الذاكرة ، المصورة ، المؤلفة ، الحدس ، وكونها سمانا أي أن قواها كاملة مهيئة لاستقبال المعلومات من العالم الخارجي ، والبقرات السبع العجاف ما يؤول إليه حال هذه القوى الفكرية الباطنة بعد فتق المعلومات بها وفيها . ولقد فسر يوسف نبي التعبير هذه العملية الفكرية الإنسانية بقوله :
تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ
والمعنى الهبوط من لدن الحضرة العلمية إلى الوجود العياني الحسي . فالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال عن الشجرة التي حذر اللّه آدم وزوجه من الإقتراب منها إنها الحنطة ، والحنطة رمز الحياة لأن الحنطة عماد الحياة ، ويقال للرغيف لدى العامة رغيف العيش . فزرع السنين السبع حال ابن آدم وهو يتلقى المعلومات من انطباعات العالم الخارجي بواسطة حواسه اللاقطة ، ثم تتفتق هذه الإنطباعات فتخرج منها المعقولات التي هي معقولات إلهية فيكون العالم الحسي بمثابة تربة تزرع فيها بذور المعقولات التي تكون بالقوة لتنبت من ثم المعقولات بعد أن صارت بالفعل ، ولهذا قال الفارابي : إن العقل يكون بالقوة ، ثم يصير بالفعل ، وهذا هم معنى قول يوسف :
فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ،
أي أن الإنسان يستخدم بعض المعقولات في حياته العملية ، ويبقى لديه بقية المعقولات لغرض آخر . والسنون السبع الشداد هي حال الإنسان الذي امتلأت حصالته بالمعقولات ، ولا يدري ماذا يصنع بها ، فالمعقولات لا تستخدم جميعا في حل مشكلات العيش كحال العاقلة العملية ، وتبقى معقولات العاقلة النظرية دوامة تائهة حيرى في ظلمات هذه الحياة ، ويبقى الإنسان جاهلا سر هذا الوجود وسر التناقض وسر الألم وسر الموت كما حدث لبوذا حيث كان بعد أميرا في قصره . فالإنسان من دون المدد الإلهي القادم عن طريق الأديان المنزلة والأنبياء والأولياء ضعيف بائس ، وهو حال يعيشه العالم المتمدين اليوم وقد جعل الدين وراءه ظهريا ، ونسي اللّه وتفرقت به السبل . ونجد موقف الغربيين واضحا في هذا الضياع ، فظهرت من ثم الفلسفة الوجودية المعبرة عن العبث واللاجدوى والفوضى الاجتماعية . أما العام الذي يغاث فيه الناس فهو الميقات الذي يظهر فيه ممثل الروح ، كما ظهر عيسى في زمانه ، وظهوره ظهور الإنسان الكامل المحدّث والمكلّم والملهم والآخذ عن اللّه بلا واسطة ، هذا الإنسان الذي يضع النقاط على الحروف ، ويحل المعادلات المستعصية والأحاجي ، ويرفع الستار عن الأسرار ويضيء المصابيح في الظلام ، ويكون للناس بمثابة