تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
الخواطر في القلب ، وكون القلب في قبضتها ، ودور الخواطر هذا هو ما وصف بالمكر ، ودور القبضة هو في الحقيقة المكر الإلهي ، والقصد التحريك والتقلب لرد النفس في البداية إلى أسفل سافلين ، ثم بدء العروج بها اسما إلى عليين ببلوغ اليقين . ومكر الكفار مكر شخصي أو جزئي ، وأصله خاطر الكفر ، ويمثله في عالم الأسماء الاسم البعيد ، والمكر الإلهي مكر كلي لأنه سبحانه له اسم الوارث ، فكل مكر شخصي يعود إليه وينضوي تحته ، فيصير مكرا كليا ، فالمكر الإلهي هو على الحقيقة محاربة الاسم بالاسم والخاطر بالخاطر . . . وإذا كان الكفار قد مكروا فالمؤمنون يمكرون أيضا ، وإذا خالف الكفار بعضهم بعضا فمحرك المكر فيهم هو الحق أيضا ، وتكون النتيجة أن الكلي يلتهم الجزئي ، ولا يبقى إلا المكر الإلهي الذي وصفه سبحانه بأنه خير ، لأنه يتبع صفته تعالى الخير ، ولأنه سبحانه يستخدم المكر للفلق والفتق .

[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 35 إلى 36 ]

وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) [ الأنفال : 35 ، 36 ] قوله :
وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً
إشارة إلى أن أصل صفة الكلام إلهية وإن بدت بشرية ، فالمكاء الصفير ، والصفير موسيقى ، والموسيقى روح الكون كما قالت الفيثاغوريون ، فما قالته الجاهليون لم يخرج على إرادة اللّه في الحقيقة ، وقال عليه السّلام : ( ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن ) ، أما التصدية فهي التصفيق ، ولقد شاهدنا كشفا رؤيا ذكرناها في كتابنا « الإنسان الكامل » وفحواها أن شخصا ظهر في الرؤيا ، وصفق ، ثم تبعه آخر وصفق تصفيقتين ، ثم صفق ثالث ثلاث تصفيقات ، هكذا حتى بلغ عدد المصفقين تسعة صفقوا تسع تصفيقات ، وكنت أنا واقفا في آخر الرتل فصفقت عشر تصفيقات ، وذكرت تعبير المنام في الكتاب قائلا : إن التصفيقات العشر إشارة إلى مقولات أرسطو العشر ، ولدى الصوفية ، مثل ابن عربي وعبد الغني النابلسي وصف للمقولات ، فأنشد النابلسي :
وجود مطلق عنه * بدت أشكال أفراد
وتسع تلك أعراض * لها ذكر بتعداد
متى والوضع مع ملك * إضافات بإسناد
تسمى الكم مع الكيف * وأين عند نقاد
وفعل وانفعال وهي * معلومات إشهاد
تجلى ربنا فيها * بتقريب وإبعاد
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 298 | محمد غازي عرابي