تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
المجاهد المعقولات الإلهية مثل الحق والخير والجمال ، فيصير له علم بالأسماء التي علمها اللّه آدم من قبل . فالربوبية بدء الهجرة إلى اللّه صعودا من حضيض الناسوت إلى سماء اللاهوت على أجنحة المعقولات نفسها . وإلا فكيف يفسر الإنسان إجماع الناس على الإقرار بوجود المعقولات نفسها كالحق والخير والعدل والرحمة والحنان والحلم وما إلى ذلك ؟ وإنك لتجد الصغير يتقبل هذه المعقولات قبل الكبير ، وكذلك يفعل الحيوان الذي ينفر من القسوة ، ويتقبل من الإنسان المعاملة الحسنة والرفق والحب .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 127 ]

وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَ تَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ ( 127 ) [ الأعراف : 127 ] ترك موسى وقومه أحياء يعني ترك المعقولات الإلهية نفسها تحيا وتمارس دورها في الوجود . ولكم حاولت الكفار إزاحة دور الأخلاق والتربية جانبا ، واستبدال البطش بالرحمة والدم بالدمع والقوة بالعدل ، فمضت القرون ، وكرت الأعوام دون أن يتمكن ظالم مستبد من فرض مقولاته الجديدة على الناس . وكانت عجلة الدهر تدور لتجعل الظالم المستبد الذي كان في الأعلى ، في الأسفل ، وفي الأمثال : وعلى الباغي تدور الدوائر ، وقولهم : وما من ظالم إلا سيبلى بأظلم .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 128 إلى 129 ]

قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 ) [ الأعراف : 128 ، 129 ] تبقى معقولات الجمال هي السائدة في العالم ، وتقرن بها معقولات الجلال والظلمة كجزء ضروري متمم لعمل المعقولات الجمالية . وقال سبحانه في هذه المعقولات :
لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
[ يونس : 64 ] .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 130 ]

وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) [ الأعراف : 130 ] السنون المصائب ومنها القحط . يقال في اللغة : أخذتنا سنة أو أصابتنا سنة أي أصابنا القحط . ونقص الثمرات نقص العلوم التي تحصّل من قبل الحواس فقط وعن طريق التجريد العقلي . وأكبر دليل على هذا بقاء الحيرة التي يتخبط فيها الإنسان وهو يجد نفسه وحيدا جاهلا أسرار هذا الوجود الذي وجد فيه ، وسدود مضروبة بينه وبين الغيوب .