تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف ضرب المعقولات ببعضها بعضا حتى تذهب كلها ، كما تفعل الفلاسفة المحدثون الكافرون الطبيعيون الذين لا يقرون بوجود معقولات سابقة على الوجود ، هي الأصل والعيان الفرع ، وكان الفيلسوف كانط قد أقام فلسفته كلها على وجود هذه المعقولات التي سماها أفكارا قبلية ، ثم تبعه هيغل الذي قال : إن الوجود الظاهري كله هو ظهور الروح والكليات ، وإن الوجود ذاته مجموعة الكليات الأصيلة لا غير .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 125 ]

قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) [ الأعراف : 125 ] المعقولات إلهية حتى وإن نفى الإنسان أصلها الإلهي . ولهذا قالت الآية : ( إنا إلى ربنا منقلبون ) . فنفي الخاطر وعدم الإقرار به بكونه إلهيا أو ملكيا أو نفسيا أو شيطانيا ، والإقرار بكونه خاطرا إنسانيا فقط ، أي من الأنا إلى الأنا دون الاعتراف بوجود روحي باطني يبطن الإنسان ، هذا النفي لا ينفي أصل الخاطر نفسه . . . والدليل أن المجاهد الذي يجاهد نفسه يستمع صوتين صوت النفس وصوت الضمير ، وعلى مر الزمان يحصل المجاهد خبرة بعلم الخواطر ، وهذا ما عناه عليه السّلام بقوله : ( اعرف نفسك ) . وهذا ما عناه سبحانه بقوله :
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ
( 21 ) [ الذّاريات : 21 ] . وبسبب هذه الخبرة يميز المجاهد الخبيث من الطيب من الناس ، ويصير عالما بهم وبمعادنهم كما قال عمر رضى اللّه عنه : ( لست بخب والخب لا يخدعني ) ، وقول الإمام علي رضى اللّه عنه : ( لولا التقى لكنت أدهى العرب ) ، وقول عمر في أبي بكر : ( رحم اللّه أبا بكر ، فلقد كان أعلم مني بالرجال ) . والمهم القول : إن المجاهد يعرف نفسية الكافر والمنافق لأن صوت هذه النفس موجود فيه أيضا ، ولهذا قال ابن عطاء اللّه : حرك عليك النفس ليدوم إقبالك عليه . وبسبب هذه المعرفة قالت السحرة لفرعون :
إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
.

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 126 ]

وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ ( 126 ) [ الأعراف : 126 ] الصبر هنا الصبر على المجاهدة ، وهو ضروري لتحصيل علم المعقولات فلا علم بلا جهاد ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] أي جهنم التضاد . وآيات اللّه التي جاءت السحرة وصفت بأنها آيات ربنا أي آيات الربوبية . وفي علم التصوف ورد الحديث عن علاقة الرب بالمربوب ، والمربوب بالرب ، فالريويية مرتبة تلي الأحدية فهي الواحدية ذات النسب والإضافات ، وهي المقام الذي تقبل فيه الذات الكثرة عن طريق القوابل والتعلقات . والآيات الربانية هي بدء تفتق المعقولات نفسها بعد المجاهدة ، حيث يستبين
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 265 | محمد غازي عرابي