تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

[ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 99 ]

أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 ) [ الأعراف : 99 ] المكر الإلهي كون القلب في قبضة الرحمن يقلبه كيف يشاء . فالمدخل والتقلب والمخرج منه وله وبه سبحانه ، والمكر حاصل بسبب الوعي الإنساني الذي وصفه فيلسوف فقال : ينصب الروح على الدماغ ذلك النسيج المعقد من الخلايا فينتج القدرة على الإدراك ، فالوعي حدث فيزيولوجي بحت مرتبط بوجود الدماغ ، ومن دون الدماغ ليس ثمة وعي . والأنا الجزئية واعية أنها أنا ، ووعيها هذا حجابها ، ويقوم المكر الإلهي بعمله إذ يأخذ القلب في تقلبه يمينا وشمالا بينما يحسب صاحبه أنه هو الذي يتجه يمينا وشمالا . ولهذا ما خافت الصوفية شيئا مثل خوفهم المكر الإلهي . ولقد قالت أم المؤمنين عائشة رضى اللّه عنها للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوما لما رأته أطال الصلاة وقيام الليل : ( أولم يغفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : أوما يؤمنني أن القلب مثل ريشة في الفلاة تقلبها الريح كيف تشاء ؟ ) . والصوفية يتبعون اللّه وكلهم خوف من المكر الإلهي أن يأخذهم وهم لا يشعرون . قال أبو يزيد البسطامي : لا يأمن قلب العارف من مكره وإن نودي بالغفران .

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 100 إلى 101 ]

أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 100 ) تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ ( 101 ) [ الأعراف : 100 ، 101 ] وراثة الأرض من بعد أهلها حلول تعينات جديدة بعد هلاك تعينات قديمة هي ظهور الأسماء . ويحذر اللّه الوارثين من الغفلة والإقامة وراء الحجاب ، إذ الذنب العظيم هو دعوة الأنية والوجود . فبردّ الوجود الجزئي إلى صاحب الوجود ، وهو الوجود الكلي ، يكون الإنسان قد تبرأ من الحول والطول ورد العارية إلى صاحب العارية . والطبع على القلب حكمه بالاسم . فكل متعين من الإنس هو نتاج طبع على القلب . والطبع ذاته فعل إلهي وصفه سبحانه في موضع آخر فقال :
يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ
[ الزّمر : 6 ] ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث اللّه ملكا فيؤمر بأربعة : برزقه وأجله وشقي أو سعيد ، ثم ينفخ فيه الروح ) . والشقاوة والسعادة هما عملية طبع القلب من قبل نفخ الروح في هيكل الإنسان . والطبع ذاته عملية عقلية يراد بها شحن الدائرة الأسمائية بقواها من الخير والشر إخراجا لمكنون الأسماء ومقتضياتها .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 259 | محمد غازي عرابي