تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
الإنسان ففعله من باب الندب والواسطة ، وإلا فكيف أوتي المخلوق القدرة على الحركة والتحريك وهو أصلا جماد ميت ؟

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 101 إلى 102 ]

بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) [ الأنعام : 101 ، 102 ] لا صاحبة للحق ، فالصاحب صنو الأصل وتوأمه ، فمتى كان لواجب الوجود واجب وجود آخر مثله ؟ فكل ما صدر عنه هو قابل كما قلنا ، والقابل تابع وعبد لا صاحب ، ولهذا جاء في الآية أن اللّه خالق كل شيء بدءا من العقل ومرورا بالنفس الكلية والنفوس الجزئية والعالم المنظور .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ]

لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) [ الأنعام : 103 ] لا تدرك الأبصار الحق لأنه نور خالص ، وإذا كانت العين آلة بصر الإنسان فالحق إنسان هذه العين ، وقال السهروردي في الإبصار : إدراك المرئي راجع إلى الشعاع الروحي الذي يفيضه العقل الفعال على النفس دون تدخل من العين ودون أن يخرج منها أي شعاع إلى المرئي ، أو يصدر عن المرئي شعاع إليها ، وكانت قضية الإبصار قد شغلت الفلاسفة والعلماء وزمنا طويلا ، واختلفوا في هذه القضية حتى بتتها الصوفية ، والمهم القول إن آلية الإبصار روحية ، وبهذا يتحقق فعل الروح في الجسم ، وما دام الحق نور البصر فهو يدرك ما يدركه المبصر بداهة ، أما جهل المبصر الحق فسببه القبول والانفعال لا العكس ، ثم إن النور الفاعل أعلى من فلك إدراك الفكر وآلاته ، وقال الإمام الغزالي واصفا هذا النور : المراد ليس النور الذي كالشعاع ، ولا النور الذي هو مادة ، ولا كنور البصر ، ولا كنور الشمس ، ولا نور العقل ، ولا نور العلم ، وإنما النور الذي تظهر به الأشياء ، وتقوم به الأشياء ، وتعرف به الأشياء ، وهو نور لا يوصف بالكثافة والتجسم ، ولأن هذا النور هو الأول فلقد استحال على الثاني ومن تلاه مد العينين إليه ، ولهذا نهى صلّى اللّه عليه وسلّم عن محاولة التفكير في ذات اللّه ، واتفقت علماء الصوفية على أن للبصيرة الإنسانية العارفة حدا لا تتعداه لمعرفة ذات اللّه تعالى ، ولما سئل صلّى اللّه عليه وسلّم عن الروح جاءه الوحي مجيبا عن السؤال :
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
( 85 ) [ الإسراء : 85 ] .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 104 ]

قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ( 104 ) [ الأنعام : 104 ] البصائر الإلهية إشراق النور الإلهي في الذات ، أو هي ظهور الذات الكلية للذات الجزئية ،