تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
والإلحاد أي أصحاب الطبيعة ، هذا الخيط الرفيع ، فالمؤمنون ، ومنهم كانط ، قالوا : إن المعقول سابق وأصيل وكلي ، وقال ابن عربي : المعقول هو الوجود الحقيقي ، والمحسوس وهم وعلا ابن عربي فلك أفلاطون الذي قال بعالم المثل ، أي المعقولات ، إذ قال ابن عربي إن هذه المعقولات متعلقة أيضا بالجانب الأحدي من الذات ، فلا وجود لها بأنفسها ، بل بالذات الصرفة . وعلى هذا فالبصر هنا يرى بمنظار البصيرة أي الصفة ، وقال كانط : لا سبيل إلى معرفة الوجود على حقيقته ، والإنسان محكوم بألا يرى إلا من خلال نظارة موضوعة مسبقا على عينيه ، فإذا كانت النظارة خضراء رأى العالم أخضر ، وإذا كانت سوداء رآه أسود . وصاحب هذه النظارة هو اللّه ، وهذا هو معنى تقليب الأبصار ، ووفق هذه النظرة فإن الرائي يرى اللبن أبيض ، علما أنه ما من دليل موضوعي خارجي على صحة هذه النظرة الذاتية يثبت أن اللبن أبيض حقا ، والمثل الذي يمكن ضربه هنا تحليل ماهية الضوء الذي يكون أبيض ، فإذا حلل بوسيلة كما هو معروف صار البياض سبعة ألوان مجموعها يؤلف البياض .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ]

وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 ) [ الأنعام : 111 ] الآية تتمة للآية السابقة ، إذ تابعت الحديث عن علاقة الإيمان بالمشيئة الإلهية ، فإذا عدنا إلى النظارة القدرية التي تحكم البصر بالكيف قلنا إن النظارة الخضراء التي ترى العالم أخضر هي تحقيق مشيئة إلهية ، وكذلك ألوان بقية النظارات ، ومجموع الألوان هو مجموع الألوان السبعة للضوء الأبيض ، والتي إن أدير قرص يحويها جميعا بسرعة ، عادت بيضاء أو بدت بيضاء ، والبياض صفة النور ، والنور نور السماوات والأرض ، فالكيف مهما اتخذ من لون أصله النور الأبيض ، ومرجعه النور الأبيض ، وعلى هذا فسر قول القائلين : ليس في الوجود إلا اللّه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]

وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 ) [ الأنعام : 112 ] ليس النبي نبيا إن لم يجعل اللّه له عدوا ، فكيف يحتل النبي مكانته من غير مدد يظهر هذه المكانة ؟ فالحكمة اقتضت خلق العدو لتظهر النبوة ، والنبوة صفة بل هي الصفات الإلهية الجامعة التي أصلها وحقيقتها الإنسان الكامل والإنسان الكبير والروح الكلي والحقيقة المحمدية .