تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
قضية إلا بعد وجود القضية نفسها ، فلو لا الخلاف بين الناس ما كان من حاجة إلى وجود القضاء ورجاله من قضاة ومحامين ، فوجود الظلم سبب لوجود العدل وتحققه .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 108 ]

وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 108 ) [ الأنعام : 108 ] قوله سبحانه :
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
فيه متابعة لما ورد في الآية السابقة ، وعبر عن هذا الموقف الوجودي قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( انشقت اليهود عن إحدى وسبعين فرقة ، وانشقت النصارى عن اثنتين وسبعين فرقة ، وستنشق أمتي عن ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا ما أنا عليه وأصحابي ) ، فالرسول صلّى اللّه عليه وسلّم علم مسبقا ومن قبل الوحي بمصير الإسلام في المستقبل ، وبكونه سبحانه هو الذي شاء انشقاق الأمة الإسلامية عن الفرق وذلك بقصد المخالفة أولا والمدافعة ثانيا وإخراج المقتضيات المعقولات والحقائق ثالثا .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 109 ]

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ( 109 ) [ الأنعام : 109 ] اللّه عليم بمصير الكافرين والمشركين فقال وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ، ذلك لأن طبع القلب وحكمه بالاسم مسبقا حتى من قبل نفخ الروح في الجنين يعني الأخذ بناصية القلب يمينا وشمالا بإذن اللّه ، وفي هذا التفريق متابعة لما ورد في الآيات السابقة .

[ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 110 ]

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 110 ) [ الأنعام : 110 ] القلب عرش الرحمن ومركز انتشار الأشعة النورانية ، فالقلب هو الأداة الحقيقية التي استوى بها الرحمان على عرش الوجود ، وما دام الحق هو الملك فهو مقلب القلب ، وكان قسم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا ومقلب القلوب ) ، وقال : ( القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء ) ، وفي مجال التقليب قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( وما يدريني أن القلب مثل ريشة في الفلاة تقلبها الريح كيف تشاء ؟ ) وسبب هذه الملكية المتصرفة في القلب غير ذات الحدود كون الإنسان آلة الحق ووسيلة للظهور ، وسميت هذه الآلة ناسوتا ، وكان الحق فيها لا هوتا فعن العبد لا تسل ، واسأل عمن سكن القلب بلا كيف ، ووجهه وقدره بالكيف ، فصار القلب محل الكيف ، والكيف من الوسائط التي استوى بها الحق على الظهور . وقوله :
وَأَبْصارَهُمْ
فيه عطف على تقليب الأفئدة ، فالبصر تابع للبصيرة والبصر ليس إلا آلة للبصيرة ، لذلك كان المحسوس هو الذي يصاغ في قالب المعقول لا العكس ، فبين الإيمان