تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
صيد البحر صيد الذات ، وهي ذاتان ذات إلهية هي الوجود إطلاقا وتعينا ، وذات موجودة بالوجود الإلهي وهي مجموع النفوس الجزئية ، واللّه كما ورد في الحديث : ( خلق الخلق ليظهر به ) ، فالذات الإلهية استودعت الذات المتعينة قواها وإمكاناتها ، وجعلت صيد مالدى هذه الذات من علوم حلالا ، وهذا هو معنى ظهور اللّه بالخلق . وقوله :
وَلِلسَّيَّارَةِ
يعني رحلة النفس من أرض المحسوسات إلى سماء المعقولات ، وللنفس في هذا السفر زادها من المعقولات التي صيدت إذ لا سفر من غير زاد . وقوله :
وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً
هو عودة إلى الخلوة حيث يحرم مد العينين إلى الحياة الدنيا وزينتها وويخصص الوقت كله للّه .

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 97 إلى 99 ]

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 97 ) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) [ المائدة : 97 ، 99 ] الكعبة رمز الصدر ، وكونها البيت الحرام لأن فيها السر الإلهي حيث اللّه مقيم في الصدر بلا كيف ولا حلول ، والشهر الحرام هو الشهر الذي يرصد للّه لكي يتابع القلب سفره حتى يصل إلى الذات الإلهية فتتجلى له وينجلي لاستقبال أنوارها .

[ سورة المائدة ( 5 ) : آية 100 ]

قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) [ المائدة : 100 ] الخبيث كثير مما يرد من المحسوسات ، لأن هذه الواردات حجب عن اللّه ما لم تسفر عن اللّه ، ولهذا شرع الحق الشرايع لتكون الشريعة الصراط لبلوغ الحقيقة ، إذ بالفكر وحده الذي يعتمد المحسوس لا يبلغ الإنسان هذه الحقيقة . والطيب ما تطيب به النفس من كريم الأخلاق لبلوغ القصد ، فالأخلاق لا الفكر السبيل إلى الكعبة حيث الوجود الإلهي ، وقوله :
يا أُولِي الْأَلْبابِ
يعني أولي القلوب لا أولي العقول ، لأن اللب باطن الشيء وجوهره ، وجوهر الإنسان لطيفته المودعة فيه ، والتي يعد الفكر آلة من آلاتها وقوة من قواها لا العكس .

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 101 إلى 102 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) [ المائدة : 101 ، 102 ]
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 181 | محمد غازي عرابي