تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
[ النساء : 171 ، 172 ] الكلمة الروح الصادر عنه سبحانه ، والمسيح ممثل الروح وتعينه ، وقوله :
أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ
يعني أن الروح ملقى في النفس الكلية أو النفس الجزئية ، إذ الروح المكلم بكسر اللام في كل إنسان . وقوله :
وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ
هو النهي عن أن يكون في الوجود من وجود حق إلا اللّه سبحانه ، فأسماؤه سبحانه لا هي هو ولا هي غيره ، وقالوا في الروح أيضا إنه ليس اللّه وإنه ليس شيئا آخر غير اللّه ، فما يصدر عنه سبحانه هو تماما مثل صدور أشعة الشمس عن الشمس ، ولهذا لجأت الحكماء الإلهيون والصوفيون إلى استخدام هذا التشبيه لوصف الصدور الإلهي عنه . فالأسماء ليست اللّه لأنه سبحانه له الوجود الصرف من قبل التعيين ، والأسماء هي الواسطة بينه وبين التعين ، فهي الجسد والبرزخ ، وهي حضرة الخيال التي وصفها ابن عربي ، وهي موجودة به ، وقيوميتها منه واستمرارها بدعمه ، ومع هذا فهي ليست هو لأنه سبحانه منزه حتى عن صفاته ، وهذا التنزيه هو ما يميز الصوفية عن بقية الفرق القائلة بالحلول ، أي أن يكون اللّه هو الوجود العياني كما يدعون . ويأتي التعين في الدرجة الثالثة وهو وجود النفس في البدن ، وهو وجود للظهور ، ولهذا طلب المادة وكثفها من اللطيف ، وصاغها في صورة ، وأبرزها عيانا ، وهذا الوجود أيضا حق ، ولكنه إضافي نسبي قائم بغيره ، ولا وجود له بذاته . وعلى هذا فاللّه واحد أحد ، وقول النصارى إنه ثالث ثلاثة يعني إثبات وجود آخر غير الوجود الحق ، وهذا كفر ، لأنه ستر للوجود الحق وحجاب . أما حديث الولد فلقد ورد عن الغنوصيين الموحدين هذا القول ، لكن قولهم كان من باب الإشارة إلى الصدور أيضا ، لا أن يكون شيء خرج من شيء ، وانفصل عنه ، وقام بنفسه فهذا مستحيل ، وكل الوجود العياني يتلاشى ويتبدد في أقل من لمح البصر إذا ما رفع اللّه قبضته عنه ، ويضرب لهذا مثل في العلوم الذرية بأن يكف جذب البروتون للكهارب السالبة الدائرة حوله بفعل جاذبية غامضة لم يعرف سببها بعد ، فإذا كل ما في الكون يتفكك ويتطاير ويتبدد ، ويقع هذا كله في زمن قصير لا يعي الإنسان نفسه فيه ما حدث لقصره .