تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
فاعتماد المشرك غير اللّه يوقعه في شرك البعد .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 118 ]

لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً ( 118 ) [ النساء : 118 ] الشيطان ممثل الاسم البعيد ملعون ، وفي هذه اللعنة نكتة ، فالحق شطر هذا المعقول الكلي منه ، وجعله وراء حجاب من الأسماء السالبة لكي يمارس التضاد دوره ، فاللعنة هي البعد والإبعاد ، وكل أولياء الشيطان مبعدون وهم نصيب مفروض من الناس ، ولهذا النصيب سبب ، فكل اسم يقوم قبالته اسم ، فلا اسم من غير اسم مواجه أو مناقض ، فتوجب أن يقوم في وجه أسماء الجمال عدد مماثل من أسماء الجلال حتى تتساوى كفتا ميزان الوجود ، ويكون للتضاد دوره في إبراز الجانب الجمالي ، فإبعاد الشيطان كان لحكمة ، والنصيب من العباد الذي اتخذه هو لحكمة أيضا ، إذ الضد بالضد يعرف .

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 119 إلى 123 ]

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً ( 119 ) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً ( 120 ) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً ( 121 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً ( 122 ) لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ( 123 ) [ النساء : 119 ، 123 ] مناه وعده الحسنى ، ووعد الشيطان الحسنى دعوة أوليائه إلى اعتمادهم أنفسهم ذاتها بمالها من قوى وعلى رأسها الفكر ، فتجد أرباب الفكر لا يذكرون اللّه ، وإذا ذكروه ذكروه من باب الابتداء والخلق ، ثم جعلوا بينه وبين العالم جدارا من أنفسهم وإرادتهم واختيارهم . وقوله :
وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ
يعني قطع آذان النفس الحيوانية بجرها بعيدا عن سماع صوت الحق من داخل القلب بالنجوى ، فيكون لخاطر الوسوسة الغلبة على الخاطرين الإلهي والملكي . وقوله :
فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ
يعني تحويل القوى الإلهية إلى إنسانية ذاتية نفسية ، فقوى النفس مودعة أصلا فيها إيداعا ، وفعلها وتحركها وممارستها قواها هو كله فعل إلهي يقوم به الروح ، والنفس تفعل ذلك بواسطته ، وعندما يغير الشيطان هذا الخلق فهو كمن يسرق ملكا ليس له ، ويمارس إمكانات ليست من صنعه ، وكيف يستطيع الإنسان أن يفسر سر ممارسة قوة كالذاكرة دورها وهو لا يعلم ماهيتها ولا عملها ، ولا كيف تتم عملية التخزين في الدماغ ؟ وكل التجارب التي أجريت والدراسات النفسية والتشريحية لم تستطع أن تكشف النقاب عن حقيقة