تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦

سورة النساء

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 1 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ( 1 ) [ النساء : 1 ] النفس الواحدة وجهه سبحانه ، أو صورته ، أو قطعة من نوره اقتطعت لعرض القوى والإمكانات ، فعلى الحقيقة كان القطع إشعاعا وصدورا دائمين ، حاشاه سبحانه أن ينفصل عنه شيء ، أو يتصل به ، بل هو صدور في صدور ، ونور على نور . وزوج النفس النفس الحيوانية ، وأصلها اسمه تعالى الحي ، فهذه النفس هي الرحم الذي حوى كل ظهوراته سبحانه من أجرام ونبات وحيوان وإنسان ، وكلها موجودة به ، منفعلة بالاسم الحي ، لا قوام لها من دونه ، ولا غنى لها عنه ، فهو سر قيوميتها وديمومتها وأزليتها وأبديتها وسيرورتها وصيرورتها . والبث التعين ، وهو ظهور صور الرجال والنساء من هذه الرحم الحية ، والصورة العين ، والعين الصفة ، والصفة المعدن الذي هو أرض النفس . فالظاهر كثرة ، والباطن وحدة ، ولهذا يقال عن البشر بنو آدم ، وأبوهم آدم ، فآدم ممثل الوحدة ، وهم التكثر والتعين ، ولهذا كان آدم نبيا لأنه أول تعين صوري بعد العقل ، ولا انفصام على الحقيقة بين الظاهر والباطن ، كما لا تنفصل أمواج البحر عن البحر ، بل هي هو ، وهو هي ، وكل شيء هالك إلا وجهه .

[ سورة النساء ( 4 ) : آية 2 ]

وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً ( 2 ) [ النساء : 2 ] اليتامى إشارة إلى الحواس الظاهرة والباطنة ، والقلب هو المسؤول عن هذه الحواس ، فالحواس الظاهرة جسر منصوب بين الخارج والداخل ، والحواس الباطنة جسر منصوب بين الداخل والخارج ، وهي جميعها وديعة استودعها اللّه الإنسان ، ولهذا جاء في الآية :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ ،
فأموال الحواس ملك للّه الفاعل بها على انفراد ولو لاه ما فعلت ولا انفعلت ، وأموال القلب الفكر الذي هو الوعي الذي يحاول أكل مال الحواس إلى ماله ، وذلك بأن يدعى أن بصره بصره ، وسمعه سمعه ، ويده يده ، ورجله رجله ، والملاحظ أن للحواس وجودا غير وجود الأنا ، والدليل أن الأذن قد تسمع لحنا ، فإذا كان القلب مشغولا بشيء آخر انشغل عن سماع اللحن ، فهو يسمعه ولا يسمعه ، يسمعه بحاسة ولا يسمع بقلبه لانشغال قلبه .
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 116 | محمد غازي عرابي