تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم — صفحة 112

مساهمون:

ص١١٢
وحدها أوجدت هذا العالم ، أو أن هذا العالم وجد بالمصادفة ، وأن قوانينه نتاج صراع مادي أعمى ، وأن هذا العالم غني ، لأن غناه واضح ظاهر ما دامت العلماء تكتشف قوانينه . وواضح أنه ليس ثمة نقطة التقاء بين المؤمنين والملحدين ، ولهذا ألحت الأديان في القول إن القلب لا العقل هو الطريق إلى الحقيقة ، لأن العقل مضلة ، له طريقان ، كل منهما سالك ، والآية تحدثت عن الفريق الثاني القائل إن الغنى للناس ، أي ظهور وإن الفقر للّه أي للخفاء .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 183 ]

الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 183 ) [ آل عمران : 183 ] الحديث عن المعجزة ، فالملحدون والمشركون يطلبون أن تأتي الأنبياء بالمعجزات وتضيف الآية قائلة إن المعجزة ليست سببا للإيمان ، لأنه حدث في التاريخ أن جاءت الأنبياء بالمعجزات ، فلم يتغير واقع الملحدين ، وظل هؤلاء يقتلون الأنبياء بغير حق .

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 184 إلى 186 ]

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ ( 184 ) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ ( 185 ) لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 186 ) [ آل عمران : 184 ، 186 ] الموت هنا موت النفس الجزئية التي هي ظهور مؤقت للنفس الكلية ، والتي هي مخلوقة بعد خلق البدن ، أو كما عبر عن ذلك في الحديث الشريف بنفخ الروح في الجنين ، والنفس الجزئية صورة البدن ، متعلقة به ، ولا انفكاك لها منه ، تفعل فيه ، وتنفعل به ، فهي جسر بين الظاهر والباطن ، بين المادة والروح ، بين العالم واللّه ، وموت هذه النفس ضرورة ليتم كشف الحقيقة ، ففي حال الموت الطبيعي تموت النفس ، بموت صاحبها بسبب جهلها ، ولهذا قال الإمام علي رضي اللّه عنه : ( موتوا قبل إن تموتوا ) ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ) ، ولهذا ألحت الصوفية على أهمية علوم المكاشفات ليعلم الإنسان موقعه من هذا الوجود وليعرف اللّه خالقه ، فمن أصاب حظا من علوم المكاشفات زحزح عن نار الحجاب والبعد ، ومن كشف له الغطاء دخل الجنة ، لأن الجنة هنا جنة العلم ، وسماها عبد الكريم الجيلي : جنة المعارف ، ويبلغها المكاشف وهو بعد في الدنيا ، أسوة بما عاشه عليه السّلام في معراجه إلى السماوات ورؤيته الجنة والنار .