5 - الصبر له علاقة وثيقة بسعة وجود الإنسان وشخصيته ، فكلّما اتسعت ظرفية الإنسان وقويت شخصيته فإنه يعيش الصبر والاستقامة أكثر وأشد ، ولهذا السبب فإنّ الأطفال وكذلك الكبار الّذين يعيشون حالة الطفولة يجزعون لأقل حادثة ، في حين أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بشخصية قوية وسعة صدر فإنه يهضمون المشكلات ويتغلبون عليها .
إن المسبح الصغير قد يتماوج بأدنى نسيم وأقل ريح بينما البحر الكبير لا يتماوج بهذه السهولة ، وإنما سمّي أكبر المحيطات في الدنيا بالمحيط الهادي لأن هيجان أمواجه هي أقل من هيجان الأمواج في المحيطات الأخرى .
إن مطالعة سيرة الشخصيات المهمة في التاريخ البشري وخاصّة الأنبياء والأولياء الإلهيين الّذين وصلوا إلى مقامات عالية ومراتب سامية في دائرة الكمال المعنوي بسبب الصبر والاستقامة ، يمكنها أن تكون من العوامل المؤثرة في تقوية هذه الملكة الحميدة في الإنسان ويكون دافعاً له على التحلي بهذه الفضيلة أسوةً بهؤلاء العظام .
إن مسألة الصبر والاستقامة مقابل الحوادث المؤلمة والمشكلات الكبيرة الّتي تواجه الإنسان في حركة الحياة لا تقتصر على البعد الأخلاقي والمعنوي فحسب بل هي مؤثرة بالنسبة إلى سلامة البدن وقواه الحيوية ، فالأشخاص الّذين لا يملكون حالة الصبر أمام الحوادث فإنّ حياتهم عادةً تكون مقترنة بأنواع الأمراض وأهمها الأمراض القلبية والعصبية ، في حين أنّ الصابرين يتمتعون بعمرٍ طويل مع سلامة بدنية نسبية ، ولذلك فإنّ علماء النفس يرون أنّ الدين بصورة عامة « والّذي يقوي في الإنسان حالة الصبر أمام المشكلات » يعد أحد شروط سلامة الجسم والصحّة النفسية .
وفي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال : « مَن احَبَّ الْبَقاءَ فَلْيُعِدَّ لِلْمَصائِبِ قَلْباً صَبُوراً » « 1 » .
« الجزع » يقع في النقطة المقابلة للصبر ، وهو الحالة النفسية الّتي لا تنضبط فيها النفس أمام الحوادث والمشاكل بحيث يعيش الإنسان الرضوخ والإذعان بالأمر الواقع وتحدياته
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 81 ، ح 71 .