علىّ : « إن أدبه صلى اللّه عليه وسلم هو أدب القرآن » ، والخلق في القرآن هو أوامره تعالى ونواهيه ، وأدب القرآن هو السلوكيات التي دعا الناس أن يأتوها ، والتي بإتيانها يتشكّل طبع المسلم ، ويصبح ما كان خلقا مدعوا إليه ، طبعا متأصّلا فيه . وحقيقة الخلق في اللغة : أنها ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب ، فيصير باستمرار الأخذ به كالخلقة فيه . والإنسان مجبول على حبّ الخير ، وخلقة الخير فيه هي ما نسميه الطبيعة أو السجية ، والسجية السيئة أو الطبيعة الشريرة هي خلق متكلّف ، كقوله تعالى :
لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( 4 ) ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ ( 5 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
( 6 ) ( التين ) ، أي أن خلقته كانت أحسن الخلق ، فلم يكن له تعالى خلق أحسن من الإنسان ، فخلقه تعالى عالما ، قادرا ، مريدا ، متكلما ، سميعا ، بصيرا ، مدبّرا ، حكيما ، وهذه صفات الربّ سبحانه ، ولذا جاء القول المشهور : « إن اللّه خلق آدم على صورته » ، يعنى على صفاته ، وفي رواية « على صورة الرحمن » ، وهو صورة معنوية وليست متشخّصة ، ومن أين تكون صورته تعالى متشخّصة ؟
وأنّى لنا أن نحيط علما بشيء كهذا ؟ فلم يبق إلا أن تكون هذه الصورة « معان » . والإنسان هو أحسن ما خلقه تعالى باطنا وظاهرا ، لجمال هيئته ، وبديع تركيبه ، فالرأس بما فيه ، والصدر بما جمعه ، والبطن بما حواه ، واليدان وما تصنعان ، والرّجلان وما تحتملان ، ولذلك قال الفلاسفة فيه : « الإنسان هو العالم الأصغر ، وهذا الكون جميعه هو العالم الأكبر . فهذا ما نعنى به جبلّة الإنسان وسجيته وفطرته وطبيعته ، وأما شرّه ، وفساده ، وعصيانه وفسوقه ، وذنوبه وآثامه وخطاياه وضلاله ، فكل ذلك كان له خلقا متكلّفا ، لمّا هجر العقل الذي يعقله عن النقائص ، وتابع الهوى الذي يردى النفس ، وهو قوله تعالى :
رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ
( 5 ) ( التين ) ، فلما خرج عن الصراط ضلّ وأضلّ ، إلا من تاب وأناب إلى ربّه وعمل صالحا ، وهو قوله :
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
( 6 ) ( التين ) ، وفي ذلك المعنى الأخير قوله :
إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ ( 2 ) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
( 3 ) ( العصر ) ، فالعودة بالإنسان إلى خلقته الجبلّية لا بدّ فيها من العودة إلى اللّه ، وهذا مضمون الدعوة الإسلامية ، وما اشتملت عليه رسالة القرآن ، فقوام الحياة بالأخلاق ، وقوام الأخلاق بالدين ، ونظرية الأخلاق في القرآن نظرية في الدين .
* * *
1481 - ( وصيته تعالى بالوالدين )
شدّد اللّه تعالى في التوصية بالوالدين في ثلاثة مواضع ، في الأول قال :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
( 8 ) ( العنكبوت ) ؛ وفي الثاني قال :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ