النفسي والاجتماعي السليم . وفي الآيتين الأولى والثانية تحذير للأبوين من الإفراط أو التفريط في دوريهما ، وتحذير للأبناء أن يقصّروا ، لأنه في النهاية مرجعنا إلى اللّه ، فيكون حسابنا على ما أسلفنا في حق كلّ .
ووصايا الآيات الثلاث ، من أعظم الوصايا ، ومن عيون الحكمة في مجال علوم النفس والتربية والاجتماع ، وطب الأطفال ، والفقه ، وفيها جماع تعاليم هذه العلوم وخلاصتها .
* * *
1482 - ( الأم لا تعق أبدا )
في التوصية بالأم قوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ
( 14 ) ( لقمان ) فذكر ضعف الأم وحاجتها للرعاية دائما ، وسوّى بين الأم والأب في الوصاية ، وخصّ الأم بالأمور الثلاثة : الحمل والولادة والرضاعة . وفي قصة موسى كانت الأم هي القلقة على ابنها ، والمتألمة والملتاعة ، ولذا قال فيها :
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ
( 13 ) ( القصص ) فلم يقل أن لا تحزن أخته ، أو أبوه ، أو جدّه ، أو خاله إلخ ، وإنما اختصّ أمه :
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
( 15 ) ( الأحقاف ) لأنه تكوّن من عظمها ولحمها ، وشقت في حمله أيما شقاء ، وتعبت في ولادته ورضاعته أيّما تعب ، ولذا قال صلى اللّه عليه وسلم عندما سئل : من أحق بحسن صحابتى ؟ قال : « أمك ، ثم أمك ، ثم أمك ، ثم أبوك ، ثم الأقرب فالأقرب » ، فكرر الأم ثلاثا ، وذكر الأب في الرابعة ، والمراد أن الأم تستحق من أولادها الحظ الأوفر من البرّ ، وحقّها في ذلك مقدّم على حق الأب عند المزاحمة . وفي الرواية أنه صلى اللّه عليه وسلم بعد الأم والأب ، ذكر الأخت ثم الأخ ، وقدّم الجدّ على الأخ ، وتقدّم القرابة من ذوى الرحم ، ويقدّم منها المحارم على من ليس بمحرم ، ثم سائر العصبات ، ثم المصاهرة ، ثم الولاء ، ثم الجار . ومن الأدب مع الأبوين : أن لا يخرج الولد مجاهدا ، أو يقبل التجنيد في الجيش إلا بإذنهما ، ومن وصاياه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك قال :
« ففيهما فجاهد » ، ومن الأدب أن لا يسبّ الرجل والديه ، وعقوقهما من الكبائر ، وفي الحديث : « إن اللّه حرّم عليكم عقوق الأمهات » ، والعقوق مشتق من العق وهو القطع ، والمراد به صدور ما يتأذّى به الوالدان من ولدهما من قول أو فعل ، ووجوب طاعتهما في المباحات ، فعلا وتركا ، واستحبابها في المندوبات وفروض الكفاية ، كما لو تعارض الأمران إذا دعته أمه ليمرّضها مثلا ، فتضيع عليه فضيلة الصلاة أول الوقت أو في الجماعة . ولمّا استفتت أسماء بنت أبي بكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم في أمها - وكانت مشركة ووفدت لتزور ابنتها ، أمرها أن تصلها ، ونزل القرآن يقول :
لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ
( 8 ) ( الممتحنة ) . وفضل صلة الرحم عظيم ، لأنه من فضل صلة الأم ، وواصل الرحم يعيد