الأصحاء في الأكل أو في غيره ، وكانوا قبل الآية يتقذّرون الأعمى ويتجنّبون الأكل معه ، لجولان يده في الطعام ، وظاهر الآية يدل على أن الحرج مرفوع عنه في كل ما يضطره إليه العذر ، كالغزو ، وكل ما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر .
ومن العمى ما يسمى عمى القلب ، وهو عمى يتعلق بالإيمان ، وأعمى القلب يعمه في الضلالة ، كقوله :
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) ( الحج ) فأثبت للمكذّبين إبصار العيون ، ونفى عنهم أن يدركوا الحق والاعتبار ، وجعل البصر الناظر للمنفعة ، وأما بصر القلب فهو البصر النافع حقا ، وقيل : إن لكل إنسان أربع أعين : عينان في رأسه للدنيا ، وعينان في قلبه للآخرة ، فإن عميت عينا رأسه ، وأبصرت عينا قلبه ، لم يضرّه عماه شيئا ؛ وإن أبصرت عينا رأسه ، وعميت عينا قلبه لم ينفعه نظره شيئا ، ويروى أن ابن أم مكتوم سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن كان سيبعث يوم القيامة أعمى كما هو في الدنيا ، فنزلت الآية :
وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
( 72 ) ( الإسراء ) ، و « هذه » المقصود بها الدنيا ، فمن يعمى عن الحق في الدنيا فهو في الآخرة أعمى ، كقوله :
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
( 126 ) ( طه ) ، فإنه لمّا اختار عمى القلب في الدنيا ، جعله اللّه تعالى أعمى البصر في الآخرة ، ومن يعمى عن دلالات اللّه في وحدانيته وقدرته في الدنيا ، يعاقب يوم القيامة بعمى البصر
وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى
( 127 ) ( طه ) ، وأما من آمن في الدنيا كحال ابن أم مكتوم - فهو بصير القلب فيها ، وبصير العينين والقلب في الآخرة .
وإمامة الأعمى جائزة ، وكذلك أذانه ، وكان ابن أم مكتوم يؤذّن ويؤم النّاس ، وولّاه النّبى صلى اللّه عليه وسلم على المدينة في خروجه لغزوة من الغزوات ، والصلاة في المسجد واجبة على الأعمى ، وقد أوجبها الرسول صلى اللّه عليه وسلم على ابن أم مكتوم . ويصحّ بيعه وشراؤه إن أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوما ، أو بالشم إن كان مشموما ، وإن لم يمكنه ذلك جاز بيعه على أي الأحوال . ولا تجوز شهادته إلا إذا تيقن الصوت وعلم المشهود عليه يقينا ؛ فإن تحمل الشهادة على فعل ثم عمى ، جاز أن يشهد بما أبصر . ولا يجوز قتل الأعمى في الحرب ، إلا إذا كان حاملا لسلاح ويقاتل مع المقاتلين ، وكانوا قديما يسقطون عنه الجزية ، ولم يكن عليه أن يتحمل شيئا من الدية عن عصبته .
* * *