تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1789

مساهمون:

ص١٧٨٩
للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وفي هذه الآية تنبيه إلى أن الصدور مكان المشاعر المكبوتة ، ولكنها لا تجد طريقها للتعبير من طريق اللسان ، فاللسان للمشاعر الظاهرة ، وأما المشاعر المكبوتة فتظهر فلتات من خلال الثرثرة والتشدق ، وعبّر القرآن عن ذلك بقصر التعبير عن البغضاء على الأفواه ، وهي حالة فوق حالة المتستر الذي تبدو البغضاء في عينيه ، ومن هذا المعنى نهيه صلى اللّه عليه وسلم أن يشتحي الرجل فاهه في عرض أخيه ، والاشتحاء هو أن يفتح فاهه ، يقال شحى الحمار أي فاه بالنهيق ، وجاءت الخيل شواح ، أي فاتحة أفواهها ، والشحو في الحديث إشارة إلى معنى التشدّق في الآية . والكره ضد الحب ، وهو أقل من البغض ، فإذا اشتد الكره واستحكم تحوّل إلى بغض ، وإذا زاد البغض صار مقتا . والكره والكراهية من كره ، فهو كاره ، والشيء مكروه . وتقول الكره بالفتح وتقصد ما تكره عليه ، كقوله تعالى
أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ
( 83 ) ( آل عمران ) أي رغبة أو اضطرارا ، والمسلم يؤمن طوعا ، وغير المسلم قد يظهر الإيمان اضطرارا وخوفا كالمنافقين ، والإيمان على المؤمنين غير ثقيل ، ولكنه على غيرهم مستثقل وله وطأة وشدّة ، لأن التزام التكليف مشقة ، فمن آمن تحمّلها إخلاصا ، ومن لم يؤمن اضطر أن يألفها ويمرن عليها ، وإسلام المؤمن لذلك إسلام عبادة ، بينما إسلام الآخر إسلام دلالة ، كقوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ
( 11 ) ( فصلت ) فإتيانهما بكره هو إتيانهما بتسخير ، كما قال :
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
( 40 ) ( النحل ) ، وأما الكره بالضم : فهو ما أكرهت نفسك عليه ، كقوله تعالى :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً
( 15 ) ( الأحقاف ) ، فالكره بالضمة المشقة ، وفي كل القرآن فإن لفظ الكره بالفتح ، إلا في آية الأحقاف ، والآية الأخرى في سورة البقرة ، وفيهما أن المشاعر في الكره بالضم هي مشاعر قهر وكبت وغضب ، فالكره بالضم للمخبر ، بينما الكره بالفتح للمظهر ، وكلاهما من الكراهية . والكره بالضم للمشقة ، والكره بالفتح ما أكرهت عليه . وفي الآية :
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
( 216 ) ( البقرة ) ، فإن القتال هو الجهاد ، فكان كرها لأن فيه إخراج المال ، ومفارقة الأوطان والأهل ، والتعرّض بالجسد للقتل والجراح وقطع الأطراف ، فكانت الكراهية له لذلك ، ومثله الذي يتألم ويخاف مع ذلك أن يخلع ضرسه ، أو يبتر الجزء من جسمه المسبب للألم والذي يخشى منه على حياته . فمعنى الكره إذن : أن تأتى الشيء عن اضطرار . وربّ أمر نكرهه وفيه نجاتنا ،
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1789 | عبد المنعم الحفني