الحديث : « شرّ ما أعطى العبد شحّ هالع وجبن خالع » ، وهذه علامات غير سوية لنفس غير مطمئنة ، وقلقة ، تتوجس الشر ، وتبدأ به ، ونقيضها في القرآن ضمن بقية السورة : النفس السوية ، وعلاماتها تقوى اللّه ، ودوام الصلاة ، وإعطاء الزكاة ، والإيمان بالآخرة ، والالتزام بالأخلاق الحميدة ( المعارج 22 / 34 ) .
* * *
1445 - ( البغض والكره والمقت )
البغض : نقيض الحب ؛ والبغيض : المكروه كراهية شديدة ؛ والبغضاء : شدّة الكراهية ، كقوله تعالى :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
( 14 ) ( المائدة ) . فالبغضاء وليدة العداوة ، والعداوة هي الخصومة والمباعدة ، فكلاهما متلازمان ، ولذا قال تعالى :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ
أي ألصقنا بهم ، مأخوذ من الغراء ، وهو ما يلصق الشيء بالشئ كالصمغ وشبهه ، يريد بذلك طوائف اليهود ، فكأن العداوة والبغضاء صفتان ملتصقتان بهم ، وكأنهما الطبع فيهم ، ومن يلازمه الشيء فكأنه قد التصق به ، مثل قوله تعالى :
وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
( 64 ) ( المائدة ) ، فهم متخاصمون متباغضون ، كما قال :
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ
( 14 ) ( الحشر ) ، وهم أبغض خلق اللّه إلى الناس :
كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
( 64 ) ( المائدة ) ، فما من حرب إلا وراءها اليهود ، وما من فساد في الأرض إلا وكان المروّج له اليهود ، وما كانت رذيلة إلا واتصفوا بها ، وهم أساتذة النفاق ، وأستاذهم جميعا « السامري » في قصة موسى ، كقوله تعالى :
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ
( 85 ) ( طه ) ، ثم « يهوذا الأسخريوطى » في قصة المسيح ، فكان السامري أول تلميذ يخون معلمه ، ويوقع بقومه . وكان الاسخريوطى أول تلميذ يسلم معلمه إلى أعدائه بثلاثين من الفضة ( يوحنا 6 / 15 ) .
والسامري عادى موسى وأبغضه ، وكذلك الاسخريوطى عادى المسيح وأبغضه ، وكانا في ذلك مثلا للبغض الذي أودى بصاحبه ، وكلاهما كان إذا تكلم بدت البغضاء في كلامه ، وكذلك كان اليهود كافة ، كلما تحدّثوا إلى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ظهر بغضهم ، وفيهم قال تعالى :
قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ
( 118 ) ( آل عمران ) ، وفي الآية أن خروج الكلام من الأفواه وليس بالألسنة ، إشارة إلى تشدّقهم وثرثرتهم في أقوالهم ، ومن هذا التشدّق أن يقول قائل اليهود في سلامه على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « السام عليك » بدلا من أن يقول « السلام عليك » ، فإما أنه قالها عن عمد ، وإما أنها خرجت منه زلّة لسان ، وزلّات اللسان هي المعبر عن المشاعر المكبوتة ، وفي الحالتين أفصح اليهودي عن بغضه وبغض قومه