الأصدق ، وهو الذي يوضح بجلاء الإعجاز العلمي في الآية ، فالخنس الجواري الكنس : هي النجوم التي اكتشفت مؤخرا وأطلق عليها العلماء اسم « الثقوب السوداء
Holes The Black
» ، وهي أجرام سماوية لها كثافتها الكبيرة وجاذبيتها الشديدة ، فلا تفلت منها أي مادة كونية ، ولا أي من صور الطاقة ، ومنها الضوء ، فإنها تجذبها إليها وتبتلعها فلا تستطيع أن تخرج منها ، ولا أن ترسل أية إشارات عنها ، فهي كالثقوب أو كالهاوية ، ووصفت بأنها سوداء لشدة عتمتها ، لعدم قدرة الضوء على الإفلات من مجال جاذبيتها ، وقيل فيها إنها نجوم نيوترونية في مرحلة الشيخوخة ، وهي المرحلة التي تسبق انفجارها وتحوّل مادتها إلى دخان ، وليس هناك أبلغ من وصف القرآن لها ، بأنها خنس وجوار كنس ، فأما أنها خنّس فلأنها معتمة وحالكة السواد ، وأما أنها جارية : فلأن لها أفلاكها المحددة التي تجرى فيها ، وأما أنها كنّس : فلأنها تبلع كل شئ وتكنسه كنسا ، حتى أن العلماء قالوا عنها فعلا أنها أشبه في عملها بالمكانس العملاقة التي تشفط كل ما يمر بها من المادة المنتشرة بين النجوم . وهذه الحقائق عنها قال بها القرآن منذ حوالي ألف وأربعمائة سنة ، في حين أن اكتشافها حديثا لم يتحقق إلا في القرن العشرين ، فكيف تسنى لنبىّ أمّى ، في أمة غالبيتها من الأميّين ، أن ينبّه إليها ويشيد بها ، ويقسم بصدقها ، لو لم يكن ما ذكر فيها علما موحى به ليبلّغه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، ففهم الناس منها ما فهموه لغويا ، كما هو ، إلى أن تغيّر الزمن وحان وقت التفسير العلمي الصحيح للآية ، وصدق اللّه تعالى ، وصدق القرآن ، وصدق النبىّ صلى اللّه عليه وسلم .
* * *
1375 - ( آية رجع السماء )
يصف القرآن السماء بأنها « ذات الرجع » يقول :
وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ
( 11 ) ( الطارق ) والرجع : يعنى أن من خواصها أن ترجّع الأشياء ، أي تردّها ، والسماء في القرآن هي ما حول الأرض ، وقوله تعالى :
وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا
( 27 ) ( ص ) المقصود به الغلاف الغازي بين السماء والأرض ؛ والسماء خلقها سبع سماوات يعنى سبع طبقات ، والجزء السفلى من الغلاف الغازي يسمى نطاق المناخ ، وسمكه لا يزيد عن 16 كيلومترا فوق مستوى سطح البحر عند خط الاستواء . والمقصود بالسماء ذات الرجع : السماء الدنيا التي تحفل بالأجرام ، وهذه الأجرام تكونت من دخان السماء الذي نتج عن عملية الانفجار العظيم ، وهو قوله تعالى :
أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
( الأنبياء 30 ) ، والرتق :
أنهما كانت شيئا واحدا ففتقهما أي فصل بينهما ، وقوله :
ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ