فبمنطقهم - طالما أن لكل شئ خالقا ، فالخالق هو من خلق كل ذلك ، واللّه هو ذلك الخالق ، فيلزم أن نخلص له العبادة ، وهو إلزام صحيح .
* * *
1360 - ( لما ذا تكثر في القرآن القضايا العلمية الكونية : هل القرآن كتاب علمي ؟ )
الجواب : أن القرآن بما أنه كتاب من عند اللّه فلا يمكن أن تأتى به عبارة واحدة تخالف الواقع العلمي للكون ، وما ورد في القرآن من ذلك كثير ، ولو كان من عند محمد لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ، ولارتاب المبطلون ، وإنما كان القرآن آيات بيّنات في صدور الذين أوتوا العلم ، من هؤلاء العالم الجليل الدكتور زغلول النجار ، وهو بحر من العلم ، سواء في علوم القرآن أو علوم الكون ، وانظر مثلا إلى قضية تولّد المطر من السحاب ، وتصادمه في شحنات سالبة وموجبة ينتج عنها البرق ، ويتخلّق بها الماء ، فهذه قضية لم يعرفها العلم إلا مؤخرا ، وبعد بحوث مستفيضة ومتقدمة ، ونبّه إليها القرآن وأوجزها في الآيات :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ
( 43 ) ( النور ) ! وقضية أخرى منطقية ثبتت بالدليل العلمي المتقدّم جدا ، أن بصمة كل إنسان تختلف عند الواحد عن الآخر ، فلا تتشابه البصمات ، فاللّه تعالى جعل لكل إنسان فردية خاصة ، ولم نكتشف ذلك إلا مؤخرا ، فاستعنا بالبصمة على التعرّف إلى الشخصية وتعيين الهوية : فأن ينفرد القرآن بذلك سواء من ناحية المنطق أو بالعلم ، في الآية :
أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ ( 3 ) بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ
( 4 ) ( القيامة ) فذلك إعجاز علمي لا يمارى ، وبرهان منطقي لا جدال فيه . ومع ذلك فالقرآن ليس كتابا في العلوم ، ولا في المنطق ، والفلسفة ، والحكمة ، ولم يتنزّل لينتصر لنظريات على نظريات ، وإنما هو كتاب في الدعوة إلى اللّه ، وهو يستعين لإظهار دعوته بالآيات الكونية ، ويصوغ عنها عبارات معجزة الكلمات ، ويستنفر المسلم الذي يؤمن به أن لا يمر على آيات الكون دون أن يدرك أسرارها ، ويعى عنها ، ويفهم أسبابها ، ويفيد بها ، كقوله :
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ
( 20 ) ( العنكبوت ) ، وقوله :
قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( 101 ) ( يونس ) ، وقوله :
أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها
( 46 ) ( الحج ) ، وقوله :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 13 ) ( الجاثية ) ، فمن الدعوة إلى اللّه أن يكون الإنسان المستخلف للّه في الأرض على علم بأسباب اللّه ، وأن يعمر الأرض بالعلم كما قضى بذلك اللّه ، ولأن يكون مسلما قويا واعيا فاعلا ، خير من أن يكون مسلما ضعيفا مسكينا مستعبدا ، والعلم الذي هو أداته في الوجود الفاعل هو ميراثه عن اللّه تعالى ، ليخرجه به من الظلمات إلى النور ، ومنهجه لتحقيق