الزجر فلا يعود للجرم ، فلو قطعت يد ، انزجر السارق وحرص على يده الثانية ، ولكن الزاني إذا قطع ذكره فما ذا يفيد ذلك من الزجر ؟ ! وأيضا فإن القطع ظاهر في السرقة فيذكّر السارق باستمرار ، ويرى أثره على وجوه الناس ، ولكن الذكر لو قطع ، فقطعه غير ظاهر ولن يراه أحد ، وسينساه صاحبه . وأيضا فإن قطع اليد ليس فيه إبطال للعمل ، فهناك اليد الأخرى ، ولكن قطع الذكر فيه إبطال النسل وهو حياة الرجل كلها .
* * *
2360 - ( الحرمات قصاص )
* الآية :
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
( 194 ) ( البقرة ) أصل في العقاب بالمثل ، وخصوص الآية أن المشركين استحلوا قتال المسلمين في الشهر الحرام اعتمادا على أنهم ممنوعون من القتال فيه ، فنزلت الآية تقول : إن استحلّوا ذلك فقاتلوهم ، فأباح اللّه بالآية مدافعتهم . وعموم الآية : أن من تعدّى عليه في مال أو جرح ، له أن يتعدّى بمثل ما تعدّى به عليه إذا ظهر له ذلك ، وليس بينه وبين اللّه تعالى في ذلك شئ . والحرمات في الآية جمع حرمة وهي ما نمنع من انتهاكه . والحرمات قصاص قال به أحبار اليهود وحكموا بمقتضاه . والقصاص هو العقاب ، والآية موجهة لعموم المسلمين ، أي للحكومات والحكام ، فإذا انتهكت الحرمة يعاقب منتهكها بقدرها أو بمثلها . وأمور القصاص في الدولة الإسلامية وقف على الحكومات والحكام ، غير أنه فيما يتعذر إثباته بالبينة يجوز لصاحب الحق أن يتوصل إلى أخذ حقه بطريقته ما لم يعدّ سارقا ، وقيل لا يعد ذلك جرما وإنما هو وصول إلى الحقّ ، غير أن صاحب الحق قد لا يكون على حقّ فعلا ، ولكنه يظن أنه على حق . وفي الحديث أن زوجة أبي سفيان لمّا اشتكت من شحّه فسألت الرسول صلى اللّه عليه وسلم هل يجوز لها أن تأخذ من مال زوجها الشحيح دون علمه ؟
قال لها : « خذي ما يكفيك ويكفى ولدك بالمعروف » ، يعنى لا تجور ولا تزيد ، وقوله تعالى : « فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم » قاطع في موضع الخلاف ، إلا أن العقاب موكول للجماعة في الآية - أي للدولة - وليس للأفراد كلّ على حدة . ومقابلة العدوان بالعدوان عدوان لا شك فيه ، ولكنه في حالة الجماعة أو الأمة عدوان مباح .
* * *
2361 - ( المماثلة في القصاص )
آية المماثلة في القصاص هي الآية :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ
( 126 ) ( النحل ) ، والآية :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
( 194 ) ( البقرة ) ، وكلتاهما بمعنى واحد ، وهما أصل للمماثلة في القصاص ، والأمر فيه وقف على الحكومات