والإجارة : مشروعة كمشروعية البيع ، كقوله تعالى :
فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً
( 24 ) ( النساء ) ، والأجر في الآية هو المهر ، سمّى كذلك لأنه في مقابل منفعة الزوجية ، وهو إما مهر مسمّى أو مهر المثل . وفي الآية :
عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ
( 27 ) ( القصص ) أن الأجرة تكون على العمل محدد المدة ، والعمل الموكول بموسى في الآية كان معلوما عندهم : وهو السقيا والحرث والرعى ، وما شاكل من أعمال البادية ، وأجرته عليها كما اتفق وشعيب ، والإجارة بالعوض المجهول لا تجوز . وتثبت الآية :
يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ
( 26 ) ( القصص ) أن الإجارة كانت من قديم الزمان معلومة ومشروعة قبل موسى ، وكانت في كل ملّة ، وهي من ضروريات التمدّن ومقتضيات الاجتماع ، وظاهر من قصة موسى أن الزواج بالإجارة جائز ، أو أجازه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لمن لم يكن عنده من المال شيء ليمهر به امرأته ، إلا ما يحفظ من القرآن ، فقال له : « فعلّمها عشرين آية وهي امرأتك » . وقيل : يجوز عقد الزواج بلفظ الإجارة لقوله تعالى :
فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ *
. وقيل : إنه لا يصحّ لأن الإجارة عقد مؤقت بينما عقد الزواج عقد مؤبد ، فهما متنافيان ، ومع ذلك إن ترك مضى على كل حال ، بدليل قصة موسى مع بنت شعيب ، غير أنه يكره أن تكون الإجارة مهرا ، لأنه ينبغي أن يكون المهر مالا ، كقوله تعالى :
أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ
( 24 ) ( النساء ) . وفي الآية اجتماع الإجارة والزواج ، وقيل : إن ذلك يكره ابتداء ، فإن وقع مضى . وقيل : لا يجوز ويفسخ قبل الدخول وبعده ، لاختلاف مقاصد الإجارة ومقاصد الزواج ، وتباين عقديهما . وقيل : الزواج أشبه شئ بالبيوع ، ولا فرق بين إجارة وبيع ، أو بين بيع وزواج .
والأجر قد يكون الثواب الأخروى ، كما هو في الدنيا الثواب الدنيوي ، كقوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ
( 172 ) ( آل عمران ) ، وفي المقارنة بينهما قال تعالى :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
( 57 ) ( يوسف ) ، وقال :
وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ
( النحل ) ، وهو :
أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ
( 8 ) ( فصلت ) ،
وَأَجْرٍ كَرِيمٍ
( 11 ) ( يس ) .
والأجور كما تكون في الزواج فهي للرضاعة كقوله :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
( 6 ) ( الطلاق ) ، وفي الآية :
لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا
( 32 ) ( الزخرف ) فإن « سخريا » تعنى أن يستسخر بعض الناس البعض الآخر لقاء أجر معين . وتقوم الصراعات على الأجور وساعات العمل بين طبقات العمال ، وهم المشتغلون بالأجور ، وطبقات الرأسمالية والملّاك . والإسلام يحضّ كما في الآية السابقة ، على ممارسة الأعمال الحرة ، كالتجارة والصناعة ، ولا يميل المسلم أن يؤجّر نفسه ، لميل الأجور إلى التدنّى ، واتجاه