تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2329

مساهمون:

ص٢٣٢٩
السواد ، وأما الغوغاء فهم السفلة ؛ وفي اللغات الأوروبية هم
populace
، أو
mob
أو
populaccio
، أو
Volk
؛ وفي المصطلح السياسي فإن حكومة أو حكم الرعاع هو
mobocracy
، ومثل هذه الحكومة لا تسود إلا بالانقلابات الشعبية ، كالتي كانت أيام الرومان ، وفي الثورة الفرنسية ، الثورة والروسية ، والثورة الصينية ، والثورة المصرية ، ويضيف المقريزي والجبرتى إلى هذا الاسم للحكومة الشعبية ، اسم « حكومة الأوباش » ، فأما القرآن ، فمصطلحه هو الأراذل ، والأرذلون ، كقوله :
قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ
( 111 ) ( الشعراء ) ، وقالوا :
وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا
( 27 ) ( هود ) ، من رذل ورذل رذالة ، أي استحق الاحتقار ، فالأراذل هم المحتقرون ، وهم كذلك بسبب احترافهم للحرف ، ومنهم عند الجبرتى الحمّارون ، والحجّامون ، والحطّابون ، والحمّالون ، والسوقة عموما ، وفي المصطلح الديني كذلك هم « ضعفاء الأمة » ، من طبقة العبيد ، والموالى ، والرقيق ، والإماء ، والمكاتبين ، والأجراء ، وبالاختصار هم « الشغّيلة » ، والناس بحسب هذا المصطلح إما « مستكبرون » وإما « مستضعفون » ، والمستضعفون : هم الأتباع والأجراء ، والمستكبرون : هم الأسياد . والإسلام دين وثورة ؛ والإسلام الثورة : جاء يخلّص هؤلاء الضعفاء أو المستضعفين ، كقوله تعالى :
وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ( 5 ) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ
( 6 ) ( القصص ) ، أي أن هدف الإسلام هو : إقامة الميزان الاجتماعي والسياسي على الأرض ، وأن يكون النظام الحاكم هو النظام الذي يمثّل الأغلبية ، وهم الذين دأب المستكبرون العرب على تسميتهم بالأراذل ، والمستكبرون الإفرنج دأبوا على تسميتهم بالرعاع
mob
؛ والأراذل في عهد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كانوا « الموالى » ، والموالى هم الرقيق والعبيد والأجراء : كعمّار بن ياسر ، وبلال ، وسلمان ، وصهيب إلخ ، وقد رفض النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أن يطردهم من صحبته كما طلب كبراء أهل مكة ، بدعوى خساسة أحوالهم وأشغالهم ، ولما دعا نوح مثلا لنفسه قال :
وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 118 ) ( الشعراء ) ، يقصد « الأراذل » ، وهم الذين آمنوا به دون غيرهم ، وقال فيهم :
وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ
( 112 ) ( الشعراء ) ، فالداعية لا يسأل عمّا يعمل الذين يتّبعوه ، وإنما هو مكلّف بدعوتهم إلى ما يدعو إليه ، والاعتبار بأن يؤمنوا بدعوته ، وليس بالحرف والصنائع التي يمتهنونها ، وكأن كل هؤلاء الناقدين في القديم والحديث ، يتوجّه نقدهم لأشياع الثورة ، سواء كانت دينية أو دنيوية ، سياسية أو اجتماعية ، بأنهم ضعفاء يطمعون في العزّة والمال . والناس يحاسبون عند اللّه لا بحجم ثرواتهم ، ولا بأنسابهم ، ولا بصنائعهم ، وإنما بإيمانهم وبأعمالهم الصالحة في خدمة إعمار الكون ، ولم يحدث في التاريخ كله أن طردت جموع