جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
( 17 ) ( النمل ) ، وقوله :
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ
( 19 ) ( فصلت ) ، و « يوزعون » تعنى يردّ أولهم إلى آخرهم ويكفّون . وفي كل المهن والحرف ، والأمم والدول ، يوجد الوزعة من كل الرّتب ، ولكل صنف من الناس وزعة في رتبتهم ومواضعهم . ويقال وزعته أوزعه وزعا أي كففته . والوازع في الحرب :
الموكل بالتنسيق بين وحدات الجيش وفصائله وكتائبه ؛ وفي الشعر :
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى * من الناس إلا وافر العقل كامله
والآية دليل على ضرورة الحكومة كنظام من شأنه أن يزع الناس ويمنعهم من إيقاع الظلم ببعضهم البعض . والقرآن وازع أكثر من الحكومة ، لأن القرآن يربّى الضمير ، والضمير وازع أكثر من القانون ، وطلب رضا اللّه وازع أكثر من الخوف من عقابه أو العقاب العام .
* * *
2178 - ( ظلم الأمم والحكّام مهلكة لهم )
في الحديث : « إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم اللّه بعقاب من عنده » ، وفي القرآن :
وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ
( 117 ) ( هود ) ، يهلكهم بالفساد ، والفساد مدعاة للكفر ، كما أهلك قوم شعيب ببخس الميكال والميزان ، وقوم لوط بالشذوذ الجنسي وإتيان الذكران ، وآل فرعون بالجبروت والطاغوت ، وقوم نوح بالاستكبار والاستعلاء إلخ ، وهكذا تكون الأمم والشعوب والدول ، فهي إما هؤلاء وإما هؤلاء ؛ ومعنى الظلم انتقاص الحقوق ، وخاصة حقوق الطبقات الفقيرة ، والعملة المستضعفين ، والنساء المغبونات ، والأطفال المنبوذين .
* * *
2179 - ( القرآن ضد الشعوبية )
الشعوبية : تعنى العنصرية . والشعوبية : فرقة من الفرق السياسية في تاريخ الإسلام ، وكانت تقول بأفضلية العجم على العرب ، وسبق الثقافة الأعجمية على العربية ، وتزعم - كما هو الآن - أن لغاتها لغات حضارات ، والعربية لغة بدو تقصر تعابيرها عن مواكبة التطور . والقول بالشعوبية مستمد من الآية من القرآن :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
( 13 ) ( الحجرات ) . والشعوب مفردها شعب ، وأصله القبيلة العظيمة ، فالشعب العربي أبو القبائل والأمم والدول العربية ؛ والشعوب الجرمانية هي القبائل من أصول جرمانية أو هندو أوروبية .
والشعب هو الجمهور والسواد ، والشعب أكبر من القبيلة ، ثم الفصيلة ، ثم العمارة ، ثم البطن ، ثم الفخذ . والآية نزلت تعارض العنصرية والاستعلاء الاجتماعي ، وكان الرسول صلى اللّه عليه وسلم قد أمر بنى بياضة أن يزوّجوا أبا هند وكان من الموالى ، يعنى العملة أو الشغّيلة ، فرفضوا وقالوا نزوّج بناتنا موالينا ؟ فأنزل اللّه الآية . أو أنها نزلت في ثابت بن قيس بن