تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2254

مساهمون:

ص٢٢٥٤

2077 - ( هل يأكل المسلم إلى أن يشبع ؟ )

المسلم يجوز له أن يأكل حتى يشبع ، وفي حديث أنس عن تكثير الطعام ببركة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال إنهم أكلوا حتى شبعوا ، وفي حديث عائشة رضي اللّه عنها قالت : شبعنا من الأسودين ، التمر والماء . وقالت : الآن نشبع من التمر . ووصف أنس صوت النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فقال : سمعته ضعيفا أعرف فيه الجوع ، وكأن أنس لم يسمع في صوته صلى اللّه عليه وسلم لما تكلم وقتها - الفخامة المعهودة فيه ، فحمل ذلك على الجوع بقرينة الحال التي كانوا فيها . وقيل : وفي ذلك ردّ على من يكذّب الأحاديث التي يذكر فيها أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان يجوع ، ويحتجون بالحديث : « أبيت يطعمني ربّي ويسقيني » . وربما كان جوعه صلى اللّه عليه وسلم ليتأسّى به أصحابه ، ولا سيما من لا يجد مددا وأدركه ألم الجوع ، لعله يصبر فيضاعف له الأجر . وإذا كان الشبع جائز في الإسلام فتركه أفضل صحيا ونفسيا واقتصاديا وتربويا ، والأكثر من ذلك أن تركه مندوب إليه دينيا ، فعن سلمان وأبي جحفة أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن أكثر الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة » . والشبع وإن كان مباحا ، فله حدّ لا بد أن ينتهي إليه ، وما زاد على الحدّ فهو سرف ، والمطلق منه ما عان الآكل على طاعة ربّه ، والمنهىّ عنه هو الشبع الذي يثقل المعدة ويثبّط صاحبه عن القيام للعبادة أو أداء ما يجب عليه ، ويفضى إلى البطر والأشر والنوم والكسل . وقد ينتهى الأمر بكراهية الشبع إلى التحريم بحسب ما يترتب عليه من المفسدة . وشبع المسلم على أي حال هو الشبع الذي يحضّ عليه الحديث : « ما ملأ آدميّ وعاء شرا من بطن ! حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ، فإن غلب الآدمي نفسه فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس » . ولو سمع حكيم الأطباء بقراط أو إبقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة . وقال الغزالي : ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم من هذا ! - ولقد بلغ من حكمة المسلمين أن اختلفوا في حدّ الجوع ، فلو أن الجائع أقبل على الخبز وحده ولم يبال إن كان معه أدم أم لا ، فهو قطعا جائع ، وإن طلب معه الأدم - أي الغموس ، فهو ليس بجائع هذا الجوع المعهود ، وهو الجوع الذي جعلوا من علاماته أنه إذا وقع ريق الجائع على الأرض لم يقع عليه الذباب ! والشبع عند المسلمين مراتب ، وليس من ذلك شئ في اليهودية ولا في النصرانية ، ولا في أي من المذاهب الفلسفية والنفسية في الجوع والشبع في أي من بلاد الدنيا إلا عندنا نحن المسلمين ، وخاصة عند الصوفية ، ومنهم أهل الصّفّة المشهورين . ومراتب الشبع عند المسلمين تنحصر في سبع : المرتبة الأولى : ما تقوم به الحياة والشبع فيها واجب ؛ والثانية : أن يزيد حتى يصوم ويصلى عن قيام - وهو واجب أيضا ؛ والثالثة : أن يزيد الشبع حتى يقوى المسلم على أداء النوافل - وهذا مستحب ؛ والرابعة : أن يزيد الشبع حتى يقدر على التكسّب - وهو