تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2257

مساهمون:

ص٢٢٥٧
الكافر يأكل في سبعة أمعاء ، والمؤمن يأكل في معي واحد » . وعند الطبراني الرجل اسمه غزوان ، وحلب له سبعة شياه فشرب لبنها كله ، فلمّا أسلم مسح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على صدره ، فلما أصبح حلب له شاة واحدة فلم يتم لبنها ، وسأله النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « مالك يا أبا غزوان » ؟ قال : والذي بعثك نبيا لقد رويت . قال له : « إنك أمس كان لك سبعة أمعاء وليس لك اليوم إلا معي واحد » . وبرواية أحمد فإن الرجل هو أبو بصرة الغفاري ، أو أنه أبو فضلة أو نضرة الغفاري . والمراد بالحديث ليس ظاهره ، وإنما هو مثل يضرب للمؤمن وزهده في الدنيا ، والكافر وحرصه عليها ، فكان المؤمن لتقلله من الدنيا يأكل في معي واحد ، والكافر لشدّة رغبته فيها واستكثاره منها يأكل في سبعة أمعاء ، فليس المراد حقيقة الأمعاء ، ولا خصوص الأكل ، وإنما المراد التقلل من الدنيا والاستكثار منها ، فعبّر عن الدنيا بالأكل ، وعن أسباب ذلك بالأمعاء . أو أن المعنى أن المؤمن يأكل الحلال ، والكافر يأكل الحرام . والحلال أقل من الحرام في الوجود . أو أن الحديث يحتمل على الرغبة في الدنيا ، كما نقول فلان يأكل الدنيا أكلا ، بينما المؤمن لا يتناول منها إلا القليل ، ويستكثر منها الكافر . والحديث يحضّ على قلة الأكل إذا علمنا أن كثرة الأكل صفة الكافر ، والمؤمن يأنف أن يتصف بصفة للكافر ، كما يقول اللّه تعالى :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ
( محمد 12 ) . غير أنه يوجد بين الكفّار من يأكل أقل ، وعكسه بين المؤمنين ، وكم من كافر أسلم فلم يتغير مقدار أكله . والحديث في مجمله : أن الإيمان قد غيّر هذا الرجل ، وكان في كفره يأكل في سبعة أمعاء ، فصار في إسلامه يأكل في جزء من سبعة أجزاء مما كان يكفيه وهو كافر . ومن شأن المؤمن التقلل من الأكل لاشتغاله بأسباب العبادة ، ولعلمه أن مقصود الشرع من الأكل ما يسدّ الجوع ويمسك الرمق ويعين على العبادة ، بينما الكافر لا يقف مع مقصود الشرع بل هو تابع لشهوة نفسه ، فصار أكل المؤمن إذا قورن بأكل الكافر كأنه بقدر السبع منه . والمراد بالمؤمن في الحديث : التام الإيمان ، والذي يحسن إسلامه ويكمل إيمانه ، ويشتغل فكره فيما يصير إليه من الموت وما بعده ، فتمنعه شدة الخوف وكثرة الفكر والإشفاق على نفسه من استيفاء شهوته ، كما في الحديث : « من كثر تفكّره قلّ طعامه ، ومن قلّ تفكّره كثر طعامه وقسا قلبه » ، والحديث الآخر : « إن هذه الدنيا حلوة خضرة ، فمن أخذها بإشراق نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع » ، وعلى هذا فالمؤمن من يقتصد في مطعمه ، والكافر من شأن كفره الشره فيأكل بالنهم كما تأكل البهيمة ، ولا يأكل بالمصلحة لقيام البنية . والمؤمن يسمى اللّه عند طعامه وشرابه فلا يشركه الشيطان ، فيكفيه القليل ، والكافر لا يسمى فيشركه الشيطان . وفي الحديث عند مسلم : « إن الشيطان يستحق الطعام إن لم يذكر اسم اللّه تعالى عليه » . والمؤمن يقل حرصه على الطعام فيبارك له فيه ، وفي مأكله ، فيشبع
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2257 | عبد المنعم الحفني