القرآن أن فرعون علا في الأرض واستكبر كان رصدا لما كان يفعله ملوك الهكسوس في أرض جاسان ( طه 24 ) ، والفرق بين هؤلاء وملوك مصر ، أن ملوك مصر كانوا متدينين ، بينما الفراعنة الأجانب كانوا من العتاة ، فضلّوا وأضلوا ( طه 79 ) ، وبلغ من خوف الناس منهم أن كانوا إذا أقسموا يحلفون فيقولون : « وعزة فرعون » ( الشعراء 44 ) ، وصرّحوا بكفرهم ، واستقووا ، وساموا الناس صنوف العذاب والظلم ( البقرة 49 ) . ولم يكونوا يخشون المصريين ، وإنما خوفهم من أغراب مثلهم وخاصة العبرانيين ، فقد زاد عددهم حتى صاروا أكبر جالية أجنبية في جاسان ، فاستغلوهم أبشع استغلال ، واستحيوا نساءهم ، وقتلوا أبناءهم ، وكان السواد من الناس مصريين ، وكانوا فلاحين ، بينما العبرانيون رعاة ، والهكسوس الأشوريون حكاما وصفوة ، ولما جاء موسى وهارون دبّروا لقتلهما . وفرعون موسى لم يكن يعرف البتة معنى الإله ، وهذا لم يكن شأن ملوك مصر الحقيقيين ، فاتّهم موسى بالكذب ، وجمع السحرة ليغلبوه على سحره ، وهو دليل آخر على أن هؤلاء جميعا والسحرة لم يكونوا مصريين ، لأن السحر لم يكن معروفا في مصر ، والذي كان معروفا فيها هو العلم وليس السحر ! والسحر يسمونه العلم الكاذب ، وعلم المصريين كان العلم الحقيقي . ولم يحدث في تاريخ مصر أن نطق ملك من ملوكها بعبارة كهذه العبارة :
ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
( 29 ) ( غافر ) ، فهذه العبارة يعرفها ملوك « العماليق » ، أو « الجبابرة » ، أو « الفراعنة » من أهل بابل وآشور . ودليل آخر على أن هذا الفرعون لم يكن مصريا هو سؤاله لموسى :
وَما رَبُّ الْعالَمِينَ
( 23 ) ( الشعراء ) ، فذلك مما يعلمه المصريون يقينا ، ولهم في ذلك مزامير شهد بريستيد أن الإسرائيليين كتبوا مزاميرهم على منوالها . ومن شأن الأغراب حينما يحكمون بلدا أن يفرّقوا بين أهله ، وفي الأمثال :
فرّق تسد ، وذلك ما بنى عليه الفراعنة الهكسوس - والأجانب عموما - حكمهم للأرض التي يستولون عليها من مصر ( القصص 4 ) . وكان هامان كما يوحى اسمه الأشورى ، آشوريا خالصا ، وكان قائد جند فرعون ووزيره الأول ومعينه على الظلم . وقصة هذا الفرعون مع موسى لا تحكى عن ظلمه للمصريين ، فلو كان مصريا ويحكم مصر كلها لسام مصر والمصريين صنوف العذاب ، ولنوّه بذلك القرآن ، وإنما القرآن قال على لسان الفرعون :
أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
( الزخرف 51 ) ، والاسم « مصر » تطلق على الأرض كلها ، وعلى جزء منها . وعن نوع حكمه قال القرآن على لسان جماعته :
اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ
( غافر 25 ) ، وما هكذا كان يحكم ملوك مصر ، ولم تكن هذه سياستهم في مستعمراتهم ولا مع أسراهم . وهذه الأخلاق هي أخلاق الأشوريين ولهم في