يأتيهم الدمار لمن يلتفت خلفه ، فأطاعوا جميعا إلا امرأته ، قال اللّه تعالى فيها وفي امرأة نوح :
كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ
( 10 ) ( التحريم ) ، والخيانة أنهما لم تطيعا زوجيهما ، وكانتا مشركتين ومنافقتين ، وأفشت امرأة لوط أمر الملائكة الأضياف إلى قومها فأسرعوا إلى بيت لوط . والدرس المستفاد مما جرى لا مرأة لوط : أن العذاب لا تدفعه الوسيلة ولا شفاعة زوجها وهو نبىّ ، وإنما تدفعه الطاعة ، وقال تعالى في لوط :
وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
( 75 ) ( الأنبياء ) لأنه أطاع ، وقال :
فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ( 170 ) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ( 171 ) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ( 172 ) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
( 173 ) ( الشعراء ) . ومن مفردات لوط التي تميز بها خطابه كلمات مثل : « تجهلون » ، و « القالون » ، و « مهاجر إلى ربّى » ، في قوله :
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
( 55 ) ( النمل ) ، وقوله :
إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ
( 168 ) ( الشعراء ) ، وقوله :
إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
( 26 ) ( العنكبوت ) . ومن دعائه المأثور :
رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
( 30 ) ( العنكبوت ) ، وقوله :
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ
( 169 ) ( الشعراء ) . وتختتم القصة القرآنية بخاتمة عيانية للوعظ والتفكّر والتدبّر :
وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ ( 137 ) وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ
( 138 ) ( الصافات ) ، فقد كانت آثار مدينتى سدوم وعامورة ما تزال موجودة في مكانيهما حتى زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
ومما قاله المستشرقون ينتقدون قصة لوط في القرآن واستطالتها في زعمهم ، مقارنة بالقصة في التوراة ، أن محمدا أراد بها وبغيرها ، أن يجعل العرب يتعظون ويخافون أن يحدث لهم مثلما حدث لتلك الأقوام ، إذا هم استمروا يكذّبونه ، والغريب أن مستشرقا مثل كينيستلينجر رأى في قصة لوط تأثيرا مسيحيا ! ! فأين ذلك ؟ ولا شئ من المسيحية في أي من الأناجيل أو غيرها يشبه قصة لوط في القرآن ! وربما كان نقد المستشرقين اليهود لطول قصة القرآن ، لأن القصة كما وردت به تكشف زيف التوراة وخسّة القيم التي حاولوا إلصاقها بلوط ، والكذب في تفاصيل حياته . ولكنها ترهات المستشرقين وحقدهم وحسدهم ! وأين القصة بحذافيرها وتعبيراتها في القرآن من سرد التوراة ! وأين عظاتها ودروسها المستفادة وتعبيراتها التي ذهبت أمثالا من عبارات التوراة المرسلة ؟ ! كقوله تعالى :
هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
( 77 ) ( هود 77 ) ، وهي عبارة ذهبت مثلا ، وقوله :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
( 81 ) ( هود ) ، وهي عبارة أخرى مشحونة بالمعاني والانفعالات والمشاعر والأفكار ، توجزها جميعا في بضع كلمات ، فكانت بمعايير أهل الآداب قمة من قمم البيان .