تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 939

مساهمون:

ص٩٣٩
التوراة ، فقد جعل الملائكة أول مرة ثلاثة ، ثم جعلهم اثنين ، بينما القرآن تحدّث عنهم في كل السور التي أورد بها قصة لوط بصيغة الجمع قال :
فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ
( 61 ) ( الحجر ) ، والجمع يكون للثلاثة فما فوق . وكان القرآن في قمة البلاغة ولم يسرد القصة سردا كالتوراة ، فقال في الأمر الصادر إلى لوط :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
( 65 ) ( الحجر ) ، وقال :
وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ
( 66 ) ( الحجر ) . وشخصية لوط تنبئ عن ملامح عظيمة بقوله للملائكة :
إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
( 62 ) ( الحجر 62 ) ، وبقوله لأهل سدوم يبعدهم عن الملائكة :
إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ ( 68 ) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ
( 69 ) ( الحجر ) ، فلما قالوا له :
أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ
( 70 ) ( الحجر ) ، يعنى عن أن تضيف أحدا من الغرباء وتمنعنا عن أن نقصدهم بالفحشاء ، قال :
هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ
( 71 ) ( الحجر ) ، ويخطئ المفسرون الذين قالوا إنه يقصد بناته على الحقيقة ، ولعمري ما ذا يقصد بذلك لوط إذا كان قولهم صحيحا ؟ ولا يمكن أن يعنى السياق « هؤلاء بناتي فتزوجوهن » كما يقول المفسرون ، فالموقف لا يقتضى مثل ذلك ، وإنما المقصود من « بناتي » : كلّ بنات أهل المدينة ، ينهاهم بهذا القول عن إتيان الذكران ويطلب إليهم « أن يتزوجوا النساء كخلق اللّه الأسوياء » ، وينبّههم إلى مزالق عزوفهم عن الزواج ، فذلك ما جعلهم ينحرفون ، والدليل على أنه يقصد بقوله « بناتي » بنات المدينة ، أن بناتي جمع ، ولم يكن عند لوط بنات بالجمع في سن الزواج بل هما ابنتان لا غير ! والقرآن والتوراة مختلفان في هذه الجزئية ، فالتوراة كما سبق : تجعل له بنات وأزواج بنات وبنين ، ويعرض لوط في التوراة على قومه بناته فعلا ليفعلوا بهن الفحشاء بدلا من ضيفيه ، وليس ذلك في القرآن ، والمعنى في آياته مختلف تماما . ولقد كان إتيان الذكران عند لوط فضيحة وعملا مخزيا شائنا ، مثله مثل الزنا . ومنذ البداية توجّس لوط الشرّ لما جاءه الملائكة ، كقوله تعالى :
سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
( 77 ) ( هود ) ، لأنه توقع أن يضايقهم قومه ويحاولون غوايتهم . والزواج في عرف لوط أطهر من هذا الشذوذ ، قال :
هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ
( هود ) ، وكان في غاية « الهمّ » الذي يحكى عنه « أهل الفلسفة » عندما قال :
أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ
( 78 ) ( هود ) ، وعانى أشد المعاناة من حصر
anxiety
( القلق والهمّ ) كالذي يعانيه المستضعفون ممن لا حول لهم ولا قوة إلا باللّه : قال :
لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ
( 80 ) ( هود ) وتلك لعمري أروع عبارة على جهة الاستكانة والتفجّع والتسليم للّه ، فاستوجبت تدخل السماء ، وأن يأتيهم الدمار لمن يلتفت خلفه ، فأطاعوا جميعا إلا امرأته ، قال اللّه تعالى فيها
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 939 | عبد المنعم الحفني