تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 920

مساهمون:

ص٩٢٠
العجل في سورة هود حنيذا ، أي مشويا ، يعنى وصف بعد مرحلة تجهيزه ، وضحكت امرأته للبشارة ، ولطمت وجهها تعجّبا ، وكان جوابهم مختلفا عن جوابهم في رواية سورة هود . وفي تلك الرواية كانت مهمتهم في قريتي لوط قد انتهت على عكس الروايتين السابقتين ، يعنى أن البشارة كانت من بعد وليس من قبل ، أي في عودتهم وليس في ذهابهم . غير أن الملائكة ضيوف إبراهيم في الرواية الأخرى من سورة العنكبوت تابعوا رواية سورة الذاريات فقالوا :
هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ
( 31 ) ( العنكبوت ) ، فنفهم أن البشارة كانت قبل أن يرسلوا إلى قوم لوط ، وكأن مجيء الرواية عن قوم لوط من قبل ، قد صار من بعد عند التحقق ، بمعنى أن عقابهم كان من قضاء اللّه السابق والنافذ ، وأنه سطر من قبل ، ثم نفّذ من بعد ، ومن ثم فلا تعارض بين الروايات والعبارة الرئيسية في هذه الرواية :
إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ
( هود 75 ) ، يعنى أنه ما كان يغضب ، وكان يسأل اللّه العفو والرحمة . وقد يبدو لغويّا أن الضيف تقال للواحد ، إلا أنها تأتى في الروايتين اللتين وردت فيهما كلمة « ضيف » في الجمع وليس المفرد ، والضيف يصلح للواحد والجمع ، والتثنية ، والمذكر ، والمؤنث ، فيحتمل إذن أن الملائكة كانوا اثنين ، أو كانوا ثلاثة ، وكان إبراهيم مضيافا ، يستضيف الواحد كالاثنين أو الثلاثة ، وكان يكنّى لذلك : أبا الضيفان . فلو جمعنا الروايات الأربع معا نلم بجميع أركان القصة التي نحن بصددها ، ونعرف أن اللّه يثيب المحسنين ويعاقب المجرمين ، وذلك هو الدرس المستفاد أو المورال
morale
كما يقول أهل الأدب الروائي . فما ذا تقول التوراة في هذه القصة ؟ من ذلك أن ضيوف إبراهيم كانوا ثلاثة في الفصل الثامن عشر من سفر التكوين ، العبارة 2 ؛ وفي الفصل التاسع عشر العبارة 1 يأتي أنهم اثنان فقط ، ولم يأت في الرواية أي تأثّر على إبراهيم لدى سماعه البشرى ؛ بينما نجد سارة في قصة القرآن لا تبدى تعجبا ، ولكنها استهزأت بما سمعت ، وجادلها الملائكة في ضحكها ، وأنكرت ما تحصّل لفهمها . والمهم في لقاء إبراهيم بالملائكة أنه صار يجادلهم في الحكم الصادر من اللّه في قوم لوط ، ومثله الذي يستشهد به : أتهلك البار مع الأثيم ؟ فلما قالوا له : لو كان فيهم خمسون بارا لعفونا عنهم ، فاستسمحهم إبراهيم في إنقاص العدد إلى خمسة وأربعين ، ثم أربعين ، ثم ثلاثين ، ثم عشرين ، حتى عشرة ، وانتهت القصة على هذا ، فلما كان الصباح توجه إبراهيم ليشهد ما حدث لسدوم وعمورة . فهذه هي القصة وأغلبها عن سدوم وعمورة ، وأقلها عن إبراهيم وأهله ، وليس في قصة التوراة عبارة واحدة يمكن استخلاصها كعظة
morale
. وميزة قصة القرآن أنها ضمن أربع سور فتنوعت الرواية والكلام ، وتباينت الرؤى ، وكثرت التفاصيل . والحمد للّه ربّ العالمين .