« هابيل » فقتل شهيدا ، وعرفت أمه بموته معنى الثكل لأول مرة ، نقول « هبلته أمه » ، يعنى ثكلته ، وهي « هابل » ، أي « ثاكل » . وقابيل وهابيل على وزن واحد ، والاسمان في العربية من الأدب الشعبي الديني وليسا من أسماء القرآن ، ولا تورد القصة القرآنية الاسمين ، وتكتفى بأنهما ابنا آدم ، بينما في التوراة يأتي ذكرهما كتسجيل للأحداث الإنسانية فيما قبل التاريخ ؛ والقصة في القرآن لم ترد إلا مرتبطة بما قبلها ضمن السياق العام لسورة المائدة ، فلما ذكر تعالى تمرّد بني إسرائيل وعصيانهم لأمر اللّه في قتال الجبّارين ( الآيات من 21 إلى 26 ) ، ذكر قصة بني آدم ، وعصيان قابيل لأمر اللّه ، وإقدامه على قتل النفس البريئة التي حرّمها اللّه ، فكان المعنى : أن اليهود كانوا مثل قابيل ، واقتفوا في العصيان أول عاص للّه في الأرض ، فطبيعة الشرّ فيهم مستقاة من ولد آدم الأول ، فاشتبهت القصتان من حيث التمرد والعصيان ( الآيات من 27 إلى 32 ) .
وفي قصة التوراة : أن قابيل كان عامل زراعة ، بينما هابيل كان راعى غنم ، تقول القصة : وكان بعد أيام أن قابيل قدّم من ثمر الأرض تقدمة « للربّ » ، وقدّم هابيل أيضا شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها ، فنظر الربّ إلى هابيل وتقدمته ، وإلى قابيل وتقدمته لم ينظر . فشقّ على قابيل جدا ، وسقط وجهه ، فقال الربّ له : لم شق عليك ؟ ولم سقط وجهك ؟ ألا إنك إن أحسنت تنال ، وإن لم تحسن فالخطيئة تنتظرك . ثم قال قابيل لأخيه : لنخرج إلى الصحراء ( ليخلو به ) ، فلمّا كان في الصحراء وثب على هابيل أخيه فقتله ( التكوين 4 / 3 - 9 ) . ولمّا سأل الربّ قابيل عن أخيه هابيل حاول الكذب ، وسدّ في وجهه باب النكران إذ قال له الربّ : إن صوت دم أخيك صارخ إلىّ من الأرض ! ولعنت الأرض قابيل ، وفتحت فاها مستقبلة دم أخيه ، وأقر بجريمته وببشاعتها ، وبثّ ربّه خوفه من أن ينتقم منه ، وفرّ لذلك إلى بلاد « نود » ، وفيها بنى قرية ، وولد له ولد دعاه أخنوخ أو حنوك ، والمعنى واحد ، أي المحنّك ، لأنه حنّك فمه قبل الرضاعة ، وفي العبرية الحنوك أو أخنوخ هو المكرّس ، والشيء العجيب أن قابيل لم يكن يعرف هذا المعنى بعد حتى يسمّى ابنه به ، وسمّى قابيل المكان الذي أقام فيه باسم ابنه ( التكوين 4 / 9 - 17 ) . وتنتهى القصة في التوراة بلا ذكر للغراب ، ولا لسبب تقبّل اللّه قربان هابيل . وليس فيها أن اللّه عليم بما يجرى من حوادث وبما جرى لهابيل . ولم تطلعنا القصة إلا على جانب الحسد عند قابيل ، ودافع الشر عنده . ولم تظهرنا على مواعظ ودروس القصة ، وكانت عباراتها جافة ، وتقصر ألفاظها عن التعبير عن المعاني .
وأما قصة القرآن فتقول :
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما